Skip to main content

الرؤية الاستشرافية عن قوة تركيا المستقبلية – قراءة في: كتاب (الإسلام والغرب بين المنافسة والصراع)

 صدر كتاب (الإسلام والغرب بين المنافسة والصراع: رؤية مستقبلية للواقع العربي والإسلامي وعلاقته بالآخر) للدكتور محمد بن عبد الله السلومي مطلع عام 2017م. ونظراً لأهميته للمفكرين والمؤرخين والجهات الأمنية والسياسية وصنّاع القرار في تركيا وغيرها. يستعرض هذا المقال مقتطفات من رؤية المؤلف الاستشرافية بالشأن التركي، والتي تعكس أبعاداً أوسع لما طرحه الكتاب من رؤى متعددة([1])، وتُقدّم دروساً وعِبراً حول المشروع التركي وركائز تحقيق السيادة. ولذا فهو جدير بالترجمة إلى اللغة التركية وغيرها؛ لتعميق الاستفادة منه لدى مراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية.

وتأتي الأهمية بطرح موضوع المنافسة والصراع بكتابٍ يتسم بالشمولية عن العلاقة بين الغرب والإسلام، لا سيما في ظل أجواء صعود اليمين المتطرف في الغرب، وما يترتب على ذلك من صناعة مناخ الصراعات والحروب التي تستهدف تمزيق كثير من دول العالم الإسلامي، وهو ما يتطلب المشروع مقابل المشاريع الأخرى المعادية، والكتابة هنا لا تعدو أن تكون نقلاً من نصوص ومفاهيم الكتاب ذاته، ومما ورد في الكتاب من موضوعات وعناوين دون تدخل كبير من المحرر.

– تركيا والاستهداف:

تُعدُّ محاولات استهداف تركيا ببعض الحروب والمؤامرات والتفجيرات -التي نجحت في احتوائها لاحقاً- مؤشراً بارزاً على صناعة الصراع في المنطقة. ويُلحظ أن تركيا كذلك استطاعت على مدى سنوات أن تنجح في توظيف (اللعبة الديمقراطية) لصالحها، فاستثمرتها بذكاء لتتحول إلى لاعب دولي رئيس، مما مكّنها من إحباط العديد من المؤامرات وتجاوز تحديات جسيمة. وقد اقترن هذا النجاح السياسي بتقدم اقتصادي وعسكري لافت، مما جعل الواقع التركي مصدراً متزايداً للقلق لدى القوى الغربية المتعصبة والشرق المعادي على حدٍّ سواء، مما ورد بعضه في مقال (القوة المُهدَرَة – درس من الانقلاب التركي).

ومن المؤكد أن التجربة الديمقراطية التركية الناجحة لدولة إسلامية، تُعدُّ مصدر قلقٍ لمتعصبي الغرب وحكوماته، كما عبَّر عن ذلك ديفيد هيرست بعد محاولة الانقلاب التركي الفاشل بتاريخ 15 يوليو 2016م، وذلك بقوله: «لقد كان رد الفعل التركي تعبيراً عن ديمقراطية ناضجة، بينما كان رد الفعل الغربي تعبيراً عن ديمقراطية فاسدة، شوهها وأصابها في مقتل الدعم العسكري والسياسي الذي تقدمه الدول الغربية للاستبداد والدكتاتورية»([2]).

ويُعزِّز ما سبق عن القلق الغربي تجاه تركيا، ما عبَّر عنه المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي حول واقع الغرب المتعصب ومواقفه من الدولة التركية قائلاً: «فالنموذج التركي لم يعد مُرحَّباً به، وصارت أمريكا في حيرة من هذه التجربة»([3])، كما أن تشومسكي نفسه يؤيد مبدأ توماس فيرغسون عن حقيقة الديمقراطية الغربية المصلحية الفاسدة! خلافاً لديمقراطية تركيا الناضجة! كما وصفها، وعن الديمقراطية قال: «الانتخابات مناسباتٌ يلتحم فيها جماعات من المستثمرين للسيطرة على الدولة باختيار مهندسي السياسة الذين سيخدمون مصالحهم»([4]).

إن هذا القلق لا يقتصر على الغرب فحسب، بل يساور كذلك إيران وروسيا والكيان الصهيوني؛ وذلك بسبب النجاح السياسي التركي المتمثل في ديمقراطيتها الناضجة وقوتها الاقتصادية الصاعدة، إلى جانب قفزاتها في التصنيع العسكري وتأثيرها الميداني، رغم ما تشوب بعض تحالفاتها من سلبيات.

– القوة وتجاوز التحديات:

إن القوة التركية الصاعدة التي أشار إليها الكتاب، هي الدافع الرئيس وراء تحديات الخصوم لها؛ ولأجل هذا وغيره من الاعتبارات، تسعى أطراف خارجية إلى تأجيج الصراعات عبر دعم الأقليات والحركات الانفصالية داخل تركيا وعلى حدودها، على غرار المخططات التي تستهدف لواء الإسكندرون جنوبي البلاد. كما يبرز الدعم الغربي للحركات الكردية السياسية منها والعسكرية في الجنوب الشرقي لتركيا، مثل الحزب الديمقراطي الكردستاني (PdK)، وحزب العمال الكردستاني (PKK)، كأداة لزعزعة الوحدة التركية، وذلك عبر محاولة ربط هذه الحركات بأكراد سوريا والعراق لتأسيس دويلات طائفية في المنطقة. وقد باتت هذه التحركات بفضل الدعم الغربي المكشوف، تسعى علناً للانفصال عن أوطانها الأم، مما جعلها مصدراً دائماً للتوتر الأمني والعسكري في تركيا والمنطقة بأسرها.

تتضح محاولات استهداف تركيا وزجّها في الصراع عبر محاولات توريطها عسكرياً، ومحاصرتها سياسياً، واستنزافها اقتصادياً؛ كونها تعمل لسيادتها السياسية والاقتصادية، وتُمثل مرجعيةً رمزية للمسلمين في آسيا الوسطى والقوقاز، والجمهوريات الإسلامية، وبلاد البلقان في أوروبا الشرقية، مستندةً في ذلك إلى دورها التاريخي الموحِّد خلال عهد الخلافة العثمانية. ولا يمكن إغفال الموروث التاريخي لدى الروس، بدءاً من فتح العثمانيين للقسطنطينية -عاصمة الكنيسة الأرثوذكسية- عام 1453م، وتحويل كنيسة “آيا صوفيا” إلى مسجد، ثم تحويله لاحقاً إلى متحف، وإعادته مسجداً في عام 2020م؛ إذ يُعدُّ هذا الحدث وغيره من مصادر القلق الروسي، فضلاً عن عضوية تركيا في حلف الناتو الذي تراه روسيا خصماً استراتيجياً لها. وعليه، يظل الاستهداف الروسي والغربي لسيادة تركيا قائماً ومستمراً، ليظل بدوره أحد العوامل الجوهرية والمؤشرات الدالة على الصراع في المنطقة.

وقد عبَّر الكاتب أحمد موفق زيدان عن خطر التدخل الروسي في سوريا على تركيا، وأنها مستهدفةٌ فيه بدرجةٍ رئيسة عاجلاً أم آجلاً، حينما قال: «وهنا على تركيا أن تعي أن الانتشار الروسي ليس موجهاً إلى أبطال الشام فحسب، فطبيعة الانتشار الروسي وحجمه وتوسعته يشير إلى أن الأمر أبعد من الشام، وإلا فما الداعي إلى أنظمة مضادات جوية متنقلة، وطائرات متطورة وتوسيع مطارات إن لم يكن المقصود به تركيا بالدرجة الأولى، وهنا على تركيا أن تتبنى المشروع الشامي، وليس فقط الاكتفاء بدعمه، وتأكيدها على أن المهاجرين السوريين ضيوف، وعلينا مساعدتهم وضيافتهم»([5]).

يُلحظ ممّا سبق أن تركيا كانت -ولا تزال- هدفاً لضغوط إقليمية ودولية منذ اندلاع الأزمة السورية عام 2011م، وقد تجلّت في محاولات استدراجها إلى المستنقع السوري، واستهدافها بسلسلة من التفجيرات الإرهابية الكثيرة والمتنوعة في مدنٍ كأنطاكيا وأنقرة وإسطنبول والتي كانت أشدها بين عامي 2015م و2016م. يضاف إلى ذلك تنامي النزعات الانفصالية لدى بعض الأكراد، والتي باتت تهدد الوحدة الوطنية التركية بين حينٍ وآخر، خاصةً في ظل الدعم الأجنبي المعلن للأقليات الكردية في العراق وسوريا وتركيا. كما تواجه تركيا تحدياتٍ ديموغرافية على حدودها الجنوبية، لا سيما عقب معارك الموصل في العراق عام 2016م وما تلاها، والتي أثارت مخاوف من عمليات تغيير ديموغرافي تهدف إلى توطين فئاتٍ شيعية معادية في المناطق المحاذية للحدود التركية.

تجلّى استهداف تركيا بصورةٍ أكثر وضوحاً، في محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في 15 يوليو 2016م، والتي أفرزت تداعياتٍ أمنيةً متلاحقة، تمثلت في بعض التفجيرات والاضطرابات الداخلية. ومع ذلك، يبدو أن هذه الارتدادات ستظل محصورةً في النطاق الأمني دون السياسي؛ نظراً إلى ما اكتسبته الحكومة التركية من قوةٍ وصلابةٍ على الصعيدين الداخلي والخارجي عقب المحاولة الانقلابية. في الوقت ذاته، يواصل المتربصون بوحدة تركيا وقوتها محاولاتهم المستمرة لزعزعة اقتصادها والنيل من عملتها الوطنية بصورةٍ مستمرة، وهكذا من التحديات والاستهداف للقوة التركية.

إن تعزيز التقارب أو التحييد بين تركيا وكل من روسيا وإيران والكيان الصهيوني -وهو ما تجلى بوضوح بعد محاولة الانقلاب الفاشلة- لا يعدو كونه تصالحاً تمليه المصالح، وخطوةً لقطع الطريق على الرهانات الغربية التي استثمرت في توتر علاقات أنقرة مع تلك الأطراف، فضلاً عن كونه تحركاً تركياً استباقياً لدرء المخاطر التي تهدد وحدتها وكيانها السياسي، وفقاً لرؤيتها الرسمية.

غير أن التاريخ يؤكد أن هذا التصالح يفتقر إلى مقومات الاستراتيجية طويلة الأمد، نظراً لتعقيدات تاريخية ودينية متجذرة. كما أن مستقبل العلاقة بين تركيا والاتحاد الأوروبي لا يبدو توافقياً بمستوى الطموح التركي؛ حيث تظل كثير من مطالبها مع الاتحاد قيد الرفض. وبناءً على معطيات تاريخية ودينية، تشير التوقعات إلى احتمال خروج تركيا من حلف الناتو عاجلاً أم آجلاً، في خطوة قد تتوجها النزعة الاستقلالية السيادية لأنقرة بالتوازي مع انفتاحها على الخيار الصيني الصاعد.

لا شك أن هذه التصالحات وعودة العلاقات ستُسهم في تأجيل مخاطر بعض الحروب والنزاعات، لكنها لن تنهي الصراعات الكبرى التي تستهدف المنطقة، وعلى رأسها تركيا؛ إذ إن محاولات التغيير الديموغرافي في الجنوب التركي مع حلب والموصل، واستمراره، قد يضع مستقبل الوحدة التركية أمام مخاطر جسيمة وزلزال سياسي غير مسبوق، وإن تأخر وقوعه. إن محاولات التغيير السكاني تُعد مقدمةً استعماريةً تهدف إلى إرساء نفوذ للدويلات الطائفية في المنطقة، مما قد يُحفز بعض مجموعات من الأقليات في جنوب تركيا -كالعلوية- على المطالبة بالانفصال، خاصةً في ظل استراتيجية القوى الغربية الداعمة للأقليات العرقية والدينية، وهو ما قد يمهد لتدخلات دولية بذريعة إجراء استفتاءات للانفصال. وتصبُّ هذه المآلات جميعها في سياق مخططات تهدف إلى تقسيم أجزاء من تركيا وإضعافها اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً.

– من نقاط القوة التركية:

تشير المعطيات السياسية إلى أن تركيا، بعد تجاوزها معظم التحديات السابقة، تتهيأ لتكون القوة الإقليمية الثالثة إلى جانب إيران والكيان الصهيوني؛ لا سيما عقب إفشال محاولة الانقلاب عام 2016م وما تلاها من انتصار على القوى الإقليمية والدولية المناوئة لوحدتها. وقد اكتسبت الدولة مناعة داخلية كبيرة إثر تطهير مؤسساتها العسكرية والأمنية والقضائية والتعليمية والإعلامية من نفوذ “التنظيم الموازي”، الذي شكل لسنوات العمود الفقري للانقلابيين، وكان عامل ضعفٍ أثّر على القرارات السيادية الداخلية والخارجية.

ومما يعزز ثقل تركيا الإقليمي والدولي امتلاكها لمشروعٍ ورؤيةٍ استراتيجية واضحة لتوسيع نفوذها الثقافي والتعليمي والإغاثي عالمياً، وتجلى ذلك في دور وكالة التعاون والتنسيق التركية (تيكا) التي تنشر الثقافة والنشاط التركي عبر مكاتبها في 37 دولة. إن المتأمل في هذه الاستراتيجية يدرك أهمية استحضار المشروع السياسي والأيديولوجي للدولة؛ لحماية هويتها وتعزيز حضورها العالمي؛ فالدبلوماسية الحديثة وموازين القوى العالمية، تعتبر الدولة التي تفتقر لمشروع خارجي فاعل دولةً عرضةً للانكفاء والزوال. وبناءً على ما سبق، ومع تنامي الاستقرار السياسي والاقتصادي والتطور العسكري المشهود، من المتوقع أن تواصل تركيا تعزيز حضورها الثقافي العالمي لترسيخ سياسة خارجية أكثر قوةً وتأثيراً.

وسيتعاظم الدور التركي حين تتبنى أنقرة سياسة التجنيد أو التطوع لمقاومة العدوان، خاصة في ظل تنامي ولاء الشعب التركي لحكومته أمام تزايد المؤامرات الخارجية السياسية والأمنية والاقتصادية. كما أن تعزيز قوة تركيا مرهون بتبني سياسة التوطين والتجنيس للسوريين وغيرهم من أصحاب الكفاءات في الجنوب وغيره، ضمن مشروع استراتيجي يوازي حجم التحديات الراهنة والمستقبلية؛ فإذا ما نُفذت هذه الخطوة بقوةٍ ودون تردد، فستُسهم في إجهاض المخططات التي تستهدف ديموغرافية بعض الأقاليم التركية، مما يمنح الدولة قوة سيادية تمكنها من تجاوز مخاطر جمة. علاوة على ذلك، ستزداد تركيا قوةً عندما تدرك أن الخطر الشيعي عليها أشد من الخطر الكردي المجاور، بل وأخطر من تهديد “داعش” العابر في اللعبة السياسية الدولية، خاصة حين تعي تركيا بأن إشغالها بحروب ما يُسمى “الإرهاب” -لا تعدو كونها “لعبة كبرى” لاستنزاف قدراتها العسكرية والاقتصادية عن نهضتها ومعركتها الحقيقية- يتطلب منها مزيدٌ من اليقظة والعمل باستقلالية كاملة بعيداً عن التردد والحذر.

وفي سياق استشراف مستقبل القوة التركية ورؤى العالم والمنطقة تجاهها، أشار المحلل الأمريكي الشهير جورج فريدمان في كتابه “الأعوام المائة القادمة: استشراف للقرن الحادي والعشرين” (2009)، إلى توقعاتٍ لمستقبل تركيا قد تبدو خيالية في جانبها الجيوسياسي، لكنها تتوافق في مجملها مع ما ورد حول صعود القوة التركية في كتاب “الإسلام والغرب” وغيره.

يرى فريدمان أن تركيا مقبلة على دورٍ إقليميٍّ فاعل، وهو ما سيجلب عليها ضغوطاتٍ ومؤامراتٍ غير مسبوقة، نتيجةً للمخاوف من تصاعد نفوذها السياسي والاقتصادي والعسكري. ومما ورد في كتاب جورج فريدمان عن هذا الدور القوي المتوقع ما لَخَّصه أو جمعه عنه الكاتب محمد إلهامي، قائلاً: «يقرّر فريدمان أن الأتراك هم من سيستفيدون واقعياً من هذا التمزق الحاصل في المنطقة العربية، وسيكون هذا عاملاً من عوامل صعود القوة التركية، التي ستجد نفسها عملياً قائدة للعالم الإسلامي»([6]).  

كما أوضح الكاتب نقلاً عن فريدمان، كيف ستكون تركيا قوةً مستقبليةً صاعدة بقوله: «تعتمد تركيا في بزوغ قوتها على عدد من أسباب القوة؛ فتركيا التي حقّقت المركز السابع عشر ضمن الاقتصاد العالمي سيستمر نمو اقتصادها بثبات حتى يصير ضمن أقوى عشر اقتصاديات في العالم، كما أن موقع تركيا الجغرافي من أهم أسباب قوتها إذ يجعلها متصلة بالعالم العربي وإيران والقوقاز وأوروبا، كذلك فإن الأتراك كانوا تاريخياً قادة للعالم الإسلامي، ثم إن الجيش التركي هو أقوى جيوش المنطقة، لكن التمدد الحقيقي للأتراك سيكون أكثر بعد فشل الروس في استعادة دور الاتحاد السوفيتي… وفي هذا السياق ستقدم تركيا نفسها للعرب باعتبارها زعيمة لتحالف إسلامي لمواجهة الهيمنة الأمريكية»([7]).

إن مَن يطالع كتاب جورج فريدمان، وتحديداً ما كتبه عن التوسع الجغرافي المستقبلي لتركيا، يدرك كيف صوّر صعود القوة التركية. كما أن الاستشهاد باقتباساتٍ من الكتاب يؤكد التوقعات المستقبلية لهذه القوة، ومن ذلك قوله: «من المهم أن نتذكر أن تركيا تاريخياً كانت قوة برية وقوة بحرية في آن. وكلما اقتربت أية قوة أوروبية من مضيق البوسفور، زاد مثل هذا الاقتراب من الخطورة على تركيا. ولذا فإن سيطرة تركيا على مضيق البوسفور يعني دفع القوى الأوروبية بعيداً عن منطقة البلقان… في منتصف أربعينيات القرن الحادي والعشرين، ستصبح تركيا بالفعل قوة إقليمية كبرى. سوف ينشئ الأتراك أنظمة علاقات مع روسيا سَتوَّرِد بموجبها المنتجات الزراعية الروسية، وكذلك منتجات الطاقة فيها إلى تركيا»([8]).

وقوله: «سوف تُعزِّز تركيا من قوتها العسكرية الضاربة بشكل يلبي احتياجاتها المستقبلية بما في ذلك قوة برية كبرى وقوات بحرية وجوية هائلة. إن توجيه قوتها صوب البحر الأسود، وحماية مضيق البوسفور، والتحرك باتجاه البحر الأدرياتيكي للمساعدة في صناعة الأحداث في منطقة البلقان سيتطلب توفر قوة بحرية كبرى».

وقوله: «سوف تختتم تركيا توغلها ضد حلفاء الولايات المتحدة في جنوب شرق أوروبا، وسيدفع هذا التوغل إيطاليا للشعور بأنها بلد غير آمن البتة بسبب قوة تركيا الصاعدة. أما اللحظة الحاسمة فإنها ستحل عندما تواجه مصر الدولة التي دائماً ما كانت تعاني من عدم الاستقرار، أزمة داخلية؛ وستستخدم تركيا هذا الوضع كي تنصب نفسها زعيمةً للعالم الإسلامي بصفتها القوة الإسلامية الرائدة». وقوله عن القوة المنافسة لتركيا في المنطقة: «وستبقى إسرائيل دولة قوية بالطبع، لكن قدرة تركيا على مد نفوذها كدولة إسلامية ستكون حاجزاً أمام إسرائيل، وسترغمها على أن تتعايش مع تركيا التي تعتبرها بالفعل دولة صديقة».

وقوله عن القوة البحرية المنافسة: «من الواضح أن صعود نجم تركيا في المنطقة كقوة بحرية سيكون مثيراً لقلق الولايات المتحدة، خصوصاً وأن ذلك يحدث بالتزامن مع صعود القوة اليابانية اقتصادياً وعسكرياً. كما أن التعاون غير المعلن بين تركيا واليابان في المحيط الهندي سيكون مُربكاً على نحو خاص للولايات المتحدة».  

وقوله عن الاستراتيجية التركية حسب توقعاته: «ما سوف يكون أكثر مدعاة للقلق بالنسبة للولايات المتحدة هو الأسلوب الذي ستتبعه تركيا في لملمة بقايا الإسلاميين من الجيل السابق؛ وهي بذلك تكون قد أضافت ثقلاً أيديولوجياً وأخلاقياً لسطوتها الصاعدة في المنطقة»([9]).

وعن التحالف التركي مع بعض دول العالم الاسلامي وما سيتولد منه من قوة أكثر وأكبر  لتركيا وغيرها من دول التحالف ورد في كتاب (الإسلام والغرب بين المنافسة والصراع) عن لوازم المشروع الاستراتيجي المقترح على دول العالم السني: «العمل على تقوية التحالفات الثنائية والدولية بجديةٍ أكثر ببرامج عملية مشتركة ذات مصداقية عالية بين الدول الإسلامية المستهدفة والمعنية بتوحيد أهدافها، وخاصةً بين دول (تركيا والسعودية ودول الخليج وباكستان ومصر) كدول تمثِّل الثقل السُّنِّي، وذلك بالعمل على تحالفاتٍ استراتيجيةٍ سُّنِّيةٍ دائمةٍ وكبيرة خاصةً بين السعودية وتركيا كخيار استراتيجي لا بديل عنه للدولتين، ولاسيما بعد فرض هذا الصراع على دول المنطقة. وتتأكد أهمية التحالف السُّني في ظل تنامي القوة العسكرية الإقليمية لدولة إيران في المنطقة واستراتيجياتها السياسية التي تتقدم ولا تتأخر في الجوانب التنفيذية كالتحالف الروسي الإيراني المتجدد في أغسطس 2016م»([10]).

وهذا ما تحقق معظمه بالفعل بعد أكثر من عشر سنوات من صدور الكتاب، وذلك حينما تم الاتفاق التاريخي للدفاع المشترك بين كل من تركيا بثقلها السياسي والاقتصادي والعسكري،  والسعودية بثقلها الإسلامي والاقتصادي، وباكستان بقوتها العسكرية والنووية، وذلك بتاريخ يوم الجمعة  7 أغسطس 2026م في مكة المكرمة!

وتتجلى إحدى مؤشرات القوة الحديثة للجمهورية التركية في حالة التصدع والتفكك التي شهدتها المعارضة السياسية؛ تلك القوة التي لطالما نافست بضراوة في الانتخابات بحصولها على نحو 48% من الأصوات في محطات عديدة، مدعومةً بدعم داخلي وخارجي مؤثر منذ تولي حزب العدالة والتنمية مقاليد الحكم. ففي منتصف عام 2026م تقريباً، واجه حزب الشعب الجمهوري انقساماً غير مسبوق، وهو ما يُعد مؤشراً لتعزيز موقع حزب العدالة والتنمية مستقبلاً، ومن المتوقع تبعاً لذلك تنامي نفوذ الدولة التركية سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، فضلاً عن توقع هدوء المشهد في الانتخابات الرئاسية عام 2028م، خاصة مع تراجع وتيرة المعارضة لسياسات الصعود واستراتيجيات القوة([11]).

وخلاصة القول: إن تركيا، وبعد تجاوزها لكثيرٍ من التحديات وإفشالها للمؤامرات بفضل قوتها السياسية والاستخبارية والعسكرية، لا تزال تواجه تحدياً تاريخياً يتمثل في التخلص من آثار معاهدة (لوزان) لعام 1923م([12])، التي كبّلت الدولة التركية الحديثة لنحو مئة عام. فهل ستكون نهاية المعاهدة فرصةً جديدة لتعزيز النفوذ التركي سياسياً واقتصادياً وعسكرياً؟ أم ستكون شرارةً لحربٍ عالميةٍ جديدة، على غرار الحرب العالمية الأولى التي استغلها الغرب لتقويض نهضة تركيا؟ أم أن صعود المارد التركي بحد ذاته سيُشعل صراعاً دولياً يهدف إلى صياغة معاهدة جديدة تُحجّم تركيا، ومن ثم تتبعها محاولات لتحجيم سائر دول العالم الإسلامي السني؟

من الصعوبة بمكان الإجابة عن هذه التساؤلات الكبيرة إجابةً قطعية؛ فالدول النووية الكبرى تعمل على إشعال حروب عالمية تُعيد رسم الحدود والمشاهد السياسية في دول العالم الثالث، كما أن صوت “الناتو” المنحاز لا يزال يكرس العدوانية، رغم انكشاف ازدواجية معاييره وظلمه لشعوب العالم ودوله. وسيُجيب التاريخ عن ذلك بلا شك، لا سيما بعد الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران وما سيتبعها من إضعافٍ لمنافستها للمشروع الصهيوأمريكي خلال عامي 2025-2026م، وما سينجم عن هذه الحرب من معادلات سياسية جديدة؛ إذ لا يمكن تجاهل ارتداداتها وتداعياتها الإيجابية والسلبية على حاضر تركيا ومستقبلها، والله أعلم.

 تؤكّد معظم الاقتباسات الواردة في كتاب (الإسلام والغرب بين المنافسة والصراع – رؤية مستقبلية للواقع العربي والإسلامي وعلاقته بالآخر)، المطبوع عام 2017م، أنَّ الأحداث والتوقعات التي تضمنها الكتاب لم تتغير جوهرياً في عموم الواقع التركي منذ صدوره؛ مما يشير إلى أنَّ الكتاب يستند إلى معطيات تاريخية دقيقة، ومؤشرات سياسية صائبة إلى حدٍّ كبير. ولمن يرغب في الاستزادة حول الرؤية المستقبلية للصراعات والتحولات الجيوسياسية في العالمين العربي والإسلامي، فإنَّ الكتاب متاح مجاناً بصيغة (PDF) عبر مواقع عديدة على شبكة الإنترنت([13]).

 

من إعداد:
مركز القطاع الثالث للاستشارات والدراسات الاجتماعية
27 / 8 /2026م

 

_ _ _ _ _ _ _ _ _

([1]) انظر على سبيل المثال مما تحقق من الرؤى الاستشرافية: محمد السلومي، (هل انتهت اللعبة العالمية الإيرانية وانتهى تصدير الثورة؟ قراءة في كتاب الإسلام والغرب رؤية مستقبلية)، مجلة الدبلوماسي، معهد الأمير سعود الفيصل للدراسات الدبلوماسية، العدد 105، ص26-29: https://tinyurl.com/4huhbre6.

([2]) ديفيد هيرست، (كيف هزم جهاز الآيفون الدبابات في تركيا)، عربي21، 17 يوليو 2016م: https://tinyurl.com/znawu999.

([3]) مجلة المجتمع، (نعوم تشومسكي ونقده للمفهوم الامريكي للديمقراطية في الشرق الاوسط)، 25 أبريل 2016م: https://mugtama.com/a/ajvqYPO7.

([4]) نعوم تشومسكي، من يمتلك العالم؟ ترجمة أسعد حسين، دمشق: دار نينوى، 1435هـ (2014م)، ص78، وانظر كلام ديفيد هيرست في المقارنة بين الديمقراطيتين تحت عنوان: (المؤامرة بين الرفض والقبول) في هذا الكتاب من المبحث الخامس.

 ([5])أحمد موفق زيدان، (الشام التي وحدت الغرب والشرق عليها)، صحيفة العرب القطرية، 21 سبتمبر 2015م: https://tinyurl.com/yuedzjjx.

 ([6])محمد إلهامي، (تركيا في توقعات جورج فريدمان)، موقع تركيا بوست، 6 يناير 2016م: https://www.turkpress.co/node/17193.

 ([7])المرجع السابق.

([8]) جورج فريدمان، الأعوام المائة القادمة استشراف للقرن الحادي والعشرين، ترجمة منذر محمد، ط1، دمشق: دار الفرقد، 2019م، ص252.

([9]) المرجع السابق، انظر عن الاقتباسات أعلاه حسب ترتيبها، الصفحات التالية: ص252-255.

([10]) محمد السلومي، الإسلام والغرب بين المنافسة والصراع، ص453-454.

([11])  أحمد درويش، (المعارضة التركية تنقسم.. بين الربح والخسارة؟)، مجلة البيان، 27 يوليو 2026م: https://albayan.co.uk/Article2.aspx?id=37062، العربي الجديد، (أوزغور أوزيل وإعادة رسم خريطة المعارضة التركية)، 30 يوليو 2026م: https://tinyurl.com/2prmuksp.

([12]) انظر عن تفاصيل معاهدة لوزان وبنودها الاستعمارية بحق السيادة التركية: الجزيرة نت، (معاهدة لوزان 2.. اتفاقية مهدت لتأسيس الجمهورية التركية)، 21 أغسطس2016م: http://bit.ly/2fazIu5.

([13]) مركز القطاع الثالث، الرابط التالي: https://tinyurl.com/5ba9k9pk.

لا توجد تعليقات

بريدك الالكتروني لن يتم نشره


الاشتراك في

القائمة البريدية

اكتب بريدك الالكتروني واضغط اشتراك ليصلك كل جديد المركز

تصميم وتطوير SM4IT