Skip to main content

21_الوطنية والمزايدات

 

بعيداً عن البحث في مصطلحات الوطن والوطنية وما يصحبهما – احياناً – من نقاش وجدل في بعض الصحافة السعودية والمواقع الالكترونية ولاسيما عن خصوصية الوطن السعودي ومفهوم الوطنية السعودية ، بعيداً عن ذلك كله فإن من الحقائق أو من المسلمات أنه حينما يقف السعودي مع نفسه أو أمام غيره ويقول : (انه مسلم ملتزم بدينه) فإن هذا كافٍ للتعبير عن الوطنية الحقيقية، لأن هذا القول: يعني أنه إنسان صالح ملتزم بكل ما يحقق المصلحة الوطنية القائمة على دينه، مبتعد بنفس الوقت عن كل ما يترتب من مفاسد على وطنه أو على غيره، حتى على فرض أن هذا السعودي لا يعرف الوطنية ومفاهيمها ومصطلحاتها، لأن هذا الالتزام بمعظم قيم الإسلام كان – ولا يزال- حافزاً لهذا المواطن على العمل لكل ما فيه خير ونماء للوطن من حين تأسيسه، وذلك بحكم فطرته الدينية وأثر التعليم الديني عليه ، وهذا الالتزام العملي حدث على أرض الواقع قبل ان يفد هذا المصطلح ويصبح شعاراً براقاً عند البعض ، وخالياً من قيمته الحقيقية عند آخرين ، ومجرداً عن معانيه السامية لدى من يستخدمه مفصولاً عن خصوصية وطنه .

لقد وُجدت الوطنية الحقيقية في الواقع العملي لدى جميع فئات المجتمع ، ومنهم الطلاب والطالبات منذ أن تأسس التعليم وخرَّج الكوادر الوطنية المتنوعة التي ملأت الفراغ الإداري والتعليمي المدني منه والعسكري في فترة قيام ونشوء الدولة السعودية الثالثة ، ولكل قاعدة عامة استثناء([1]) ، لقد كانت المقــررات والمناهج الشرعية في التعليم العام – منذ فترة تأسيس التعليم النظامي – مغطاة بشكل كبيــر بمعظم ما يُحدد علاقة الإنسان المُثلى بربه ومجتمعه ودولته ، قبل أن تَفِد تلك المصطلحات، ومن الواضح ان المناهج الدينية والتدين يربطان الشخص بالقيم الايجابية التي من أولوياتها عمل الواجب تجاه الوطن، بل  ويُعمِّقان في نفسه حب الوطن والانتماء إليه ، ويترتب على ذلك الدفاع عنه والغيرة عليه لاسيما ان الدين الاسلامي بعقيدته السلفية هو اساس قيام هذا الوطن السعودي والموحِّد له، واحتواء المناهج التعليمية العامة على تلك القيم جدير بتحويلها إلى عقيدة وعبادة .

ويلاحظ حدوث متغيرات كبيرة مرتبطة بالوطنية بعد غزو العراق للكويت ودخول القوات الأجنبية للسعودية ودول الخليج عام 1411هـ الموافق 1991م وما ترتب على ذلك من رفض بعض العلماء والدعاة وبعض المثقفين ما عَدُّوه انتهاكاً للسيادة الوطنية بسبب الاستعانة بالقوات الاجنبية .

لقد صحب ذلك تصعيد اعلامي خارجي، وداخلي ليبرالي عن خطر التشدد الديني والسلفية والوهابية ، مع طرح مباشر من هؤلاء عن ضرورة تعديل المناهج التعليمية، وكان رجع صدى ما سبق أن صدرت قرارات تعديل أو تطوير المناهج التعليمية وما في ذلك من تقليص للموضوعات الشرعية أو موادها، مما ترتب على ذلك قصور المناهج عن رسالتها في غرس القيم والواجبات أو نقصها عن السابق([2]) ، مع بروز واضح في ضَعْفَ القيم الدينية الاخلاقية تجاه الوطن وممتلكاته وحقوقه لدى الطلاب والطالبات، وكان من اصداء ذلك تقرير مادة التربية الوطنية كمقرر دراسي في التعليم العام ، ويلاحظ أن مادة التربية الوطنية قُرِرت في عام 1417هـ  الموافق 1996م .

وقد زادت تلك الحملات الإعلامية الدولية والمحلية الضارية على المناهج وعادت مرة أخرى كرد فعل على احداث 11 سبتمبر 2001م لتُتَهم المناهج الشرعية مرة أخرى ويطالب بتقليص (المُقلَّص) فيما يتعلق بها، وقد صحب ذلك التقليص – أو تزامن معه – ضعفاً ملحوظاً في الوطنية لدى الطلبة من الجنسين([3])، ويؤكد هذا زيادة الطرح الاعلامي والنقاش الكبير عن أهمية الوطنية .

إن قول السعودي كبيراً أم صغيراً، طالباً أم طالبة، ذكراً كان أم أنثى : (أنه مسلم ملتزم بدينه) يعني أنه قد حافظ على العلاقة المثلى مع ربه ومع نفسه ومجتمعه، وحافظ على الاملاك العامة ومكتسبات وطنه، لأنه ملتزم مع نفسه ومع غيره بحماية الضرورات الخمس التي جاء بها الاسلام وهي : (الدين ، النفس ، العقل، العرض، المال ) وتلك أُسُس العدالة مع النفس والعلاقة مع الغير ، كما أنه بالطبع ملتزم بالمحافظة على العلاقة البنَّاءة التي تربطه بالحاكم والحكومة -مادامت وطنيتهما صادقة([4])- ، وبالتالي فإن هذه هي الوطنية الحقة التي تحكم العلاقات الفردية والمجتمعية بقيم أخلاقية لا تماثلها قيم الأرض أو حقوقها الوضعية، وممارسة هذه الوطنية على أرض الواقع بتلك المفاهيم عقيدة وعبادة ، بل إن ممارسة هذه القيم لا تتطلب العناء في فرض المصطلح أو ثقافته، أو حتى المساومة عليه من أي طرف كان .

ولأن من أهم جوانب تقوية الوطنية لدى أي مسلم هو بالحفاظ على هويته الفكرية والثقافية (عقيدته) ، إضافةً إلى اهمية الحفاظ على تاريخ الوطن ، وحماية حدوده وجغرافيته ،  وتتأكد هذه  الأهمية بشكل اكثر لهذا الإنسان في هذا المكان (جزيرة العرب) ، وهذا ما يتطلب الحفاظ على تلك الهوية التي تميز بها هذا الوطن عن كثير من الأوطان ، بل إن عموم المسلمين خارج هذا الوطن لا يقبلون غير تلك الهوية لوطن الحرمين (المملكة العربية السعودية) ، فكيف بمن هم داخل هذا الوطن؟ ! .

وقفة تاريخية:

سجلت الخمسينات والستينات الميلادية من القرن الماضي نشؤ بعض الاحزاب القومية والشيوعية واليسارية والناصرية في السعودية، وقد فشلت مشروعاتها السياسية الثورية الانقلابية ، لكنها حققت بعض النتائج على مستوى برامجها الفكرية ، ويؤكد ذلك ظهور توجهات الحداثة في الفكر والأدب في الثمانينات من القرن الماضي ، وما تلا ذلك من التوجهات العلمانية والليبرالية التي تتعارض افكارها مع قيم المجتمع واساس قيام الوطن السعودي ووحدته ، وامتداداً لذلك ، أو ثمرة له سجَّل مستهل عام 1433هـ – 2012م انكشاف تنظيمات سرية وعلنية تهدف إلى استنبات الإلحاد والزندقة في الجزيرة العربية ، وتحديداً بلاد الحرمين (المملكة العربية السعودية) مما يهدد الوحدة الفكرية ، وبالتالي يخلخل الوحدة السياسية القائمة على ما سبق ، وكل ذلك يتم تحت مسميات حقوق الإنسان الفكرية والليبرالية الفردية (الحرية الشخصية) ، ويُعد ذلك ثمرةً وامتداداً لسابق تلك التنظيمات والأفكار ، وقد عزَّزَت التقنية الحديثة ترويج تلك الافكار الغريبة عن الوطن وقيمه، وسَهَّلْتَ إنشاء المواقع الالكترونية لهذا الغرض ، ومن أشهرها موقع (الشبكة الليبرالية السعودية الحرة) وموقع (الطومار سابقاً) وما تلا ذلك من مواقع كشفت حقيقة الليبرالية في السعودية وخطرها على الوحدة الفكرية والسياسية للوطن السعودي .

ويوضح ما سبق عرض (ثلاثة) أحداث بارزة  في هذا الشأن كأمثلة، وتنحصر الكتابة في هذه الورقة عن تلك الأحداث بمنهجية الاقتباس والنقل والربط فيما بين النصوص فقط ، وذلك أبلغ من طول التعليقات، لاسيما أن هذا الموضوع منحصر بعنوانه .

(الأول) وهو الأشهر من تلك الأحداث حيث كان من أبرزها، وهو (إعلان الإلحاد والزندقة) بشكل صريح أو مغلَّف ، كما حدث في قضية حمزة كشغري الذي هرب من السعودية إلى ماليزيا ، وقضية عبد الله حميد الدين الذي هرب من السعودية كذلك إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وقد تناولت تلك الأحداث والقضايا معظم وسائل الإعلام المحلية والعالمية، وكانت حوارات ونقاشات وملتقيات إعلامية في عدة قنوات عن هذه الظاهرة ، من أبرزها حوارات وأخبار قناة (bbc)([5])، وقناة خليجية([6]) وكانت ردود الفعل – كما هو المتوقع – قوية من قِبل جنود المشاة من المنظمات الحقوقية الدولية وغيرها ، مما عرَّض السيادة الوطنية إلى انتهاكات كبيرة من خلال انتهاك المرجع الأعلى الفكري والثقافي للدولة ، والذي يحكم (دستور الدولة) وغيره من الأنظمة حيث الدين هو الحاكم لأنظمة الدولة حسب مواد الدستور .

ويكفي عن بسط الأقوال إيراد حجم ردود الفعل المحلية والعالمية ، ومن أبرزها موقف أعلى سلطة تنفيذية في المملكة العربية السعودية من ردود الفعل الغاضبة والمدافعة داخلياً وخارجياً ، حيث أصدر أمراً بالقبض على حمزة كشغري ، حسب الخبر التالي : “علمت (سبق) من مصادر رفيعة وموثوقة أن خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز وجّه أمراً عاجلاً صباح اليوم لصاحب السمو الملكي وزير الداخلية بالقبض فوراً على الكاتب بجريدة (البلاد) حمزة كشغري ، الذي كانت تغريداته بموقع (تويتر) وتجاوزاته ضد الذات الإلهية ورسول الله صلى الله عليه وسلم، وسخريته من المسلَّمات الدينية، محل سخط كافة شرائح المجتمع السعودي، والمسلمين عموماً.

ونما إلى علم (سبق)([7]) أنه مما ورد في أمر خادم الحرمين الشريفين ، أن الكاتب تجاوز كافة الخطوط الحمراء التي مست الذات الإلهية وحرمتها ، كما فعل أيضاً مع رسولنا الكريم محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم ، في سياق بلغ من السوء مبلغه ، لا نقول بشأنه إلا قول الحق تبارك وتعالى : {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا } الكهف (5)”.

ولست هنا بصدد نقل كتابات بعض الغيورين على الدين والوطن ، ممن ناقشوا أو ردُّوا على تلك الأفكار الإلحادية ، والحدث ذاته وردود الفعل تجاهه تكشف عن مظهر خطير بحق الوحدة الفكرية التي هي أساس وحدة الوطن .

(الثاني) في هذه الأحداث، بروز (مظاهر الإلحاد والكفر)  في السعودية مما يُهدد الوحدة الفكرية التي هي أساس الوحدة الوطنية ، وذلك البروز قد يُضيف بحجم أنه ظاهرة أو بداية لها، حيث اصبح تأسيس مواقع إعلامية إلكترونية الحادية جديدة ومنتديات فكرية ومقاهي ثقافية وطروحات صحفية أكثر جرأة وتحدياً لمشاعر المسلمين، ومعظمها يهدف إلى محاولات زراعة أو استنبات أفكاراً وافدة متناقضةً مع الإسلام تحت مسميات التعددية الفكرية وحرية الرأي كما حدث من المجموعة التي أعلنت تأسيس موقع الكتروني ينادي بكل ما يزعزع الوحدة الفكرية والسياسية في السعودية، وقد أسمت نفسها “مجموعة من شباب هذه الأمة العربية السعودية من الجنسين ومن مختلف التوجهات والأفكار والطوائف “.

رئيس مركز الحوار الوطني يتصدى:

كان ما سبق مدعاة للرد العلمي والعقلاني والشرعي من معالي الشيخ صالح الحصيِّن([8]) (رئيس مركز الحوار الوطني) ، بتاريخ 12/4/1433هـ  الموافق 5/3/2012م تحت عنوان: (حرية التعبير… هل عليها قيود في المملكة؟)([9]) حيث قال : (اطلعتُ في الشبكة العنكبوتية على صفحة ناشطين تَضَمّنت – حتى تاريخه – رسالتين عَرّفَ مُوَقِّعُوها أنفسهم بأنهم: «مجموعة من شباب هذه الأمة العربية السعودية، من الجنسين ومن مختلف التوجهات والأفكار والطوائف…».

وأفصحوا في رسالتهم الأولى عن غايتهم:  »  سنظل… مدافعين ومحاربين بشجاعة عن حرمة حقوق وحريات أمتنا العربية السعودية… لدينا هذا الحلم، وهو أكبر، حرية الرأي والتعبير والضمير والمعتقد… هو حلمنا، وهذه هي رسالتنا الأولى

وتضمنت الرسالة الأخرى بياناً جاء فيه: ” نحن بأسمائنا… نؤيد كل من يريد أن يقول ما في نفسه، وأن يُعبّر عما في روحه، ويكتب ويتحدث ويرفع صوته عالياً بما يريد هو، ليس بما نريده نحن، وليس بما يريد أولئك وهؤلاء، وبكل ما تعهدت به البشر من مواثيق عالمية معلنة في حفظ حقوق الإنسان وحرياته، وهو ما وقعت عليه الحكومة السعودية وخالفته وانحرفت عنه، وإذ نؤكد… بأن هذه الأسماء… على أتم الاستعداد لأن تدفع بحياتها ثمناً كي يقول كل مواطن رأيه ويعبر عنه… نحن نؤمن بأننا أمام اختبار وضعنا فيه الآن، إما أن نكون أو لا نكون، إما أن نكون أمام أنفسنا متسقين مع مبادئنا وقيمنا التي نؤمن بها، ونقف أمام انحراف الحكومة عما وقعت عليه من مواثيق عالمية تكفل حقوق الإنسان وحرياته، وإما لا نكون أمام أنفسنا سوى مدّعين، لا مبادئ لنا ولا قيم، نتفوه بما لا نؤمن، ولا نأمل لجيل أمتنا المقبل خيراً بعدم التصدي لهذا الانحراف الحكومي، من حرية وعدالة ومساواة  .

وعلَّق الحصيِّن على أهمية التصدي لهذا القول حتى لو كانت الأسماء غير مشهورة ، فقد عدَّه الحصين رجع صدى لطروحات المثقفين في الإعلام السعودي ، فقال: ” إن مناقشتي لعدد من (المثقفين) السعوديين، واطلاعي على بعض ما يُطرح في وسائل الإعلام، أوجد لدي انطباعاً بأن ما تضمنته العبارات المقتبسةهو رجع صدى للشيء ذاته الذي يتصوره عدد من (المثقفين) السعوديين، وهم وإن كانوا قليلي العدد، وأُتُوا من نقص في الاطلاع على المصادر المعرفية التي تتناول الموضوع، إلا أنهم مرتفعو الضوضاء، ومحظيون بالاهتمام، حتى عند بعض الخاصة ” .

ويضيف الحصيِّن القول عن هؤلاء بقوله: « من الواضح أن هذه العبارات كُتبت نتيجة تفكير جاد، وأن من كتبوها يستشعرون بأنهم مقدمون على أمر خطر، وأنهم يتوقعون أذىً كثيراً نتيجة صدورها عنهم، وأنهم مستعدون للتضحية حتى بحياتهم في سبيل مناصرة (حرية التعبير).

فما (الأمر الخطر) الذي أشار إليه كاتبو البيان، وتوقعوا الأذى الكثير بسبب انحيازهم له، واستعدوا لبذل حياتهم في سبيل الجهر به؟

الجواب: باستحضار المناسبة التي كُتِب في ظلها البيان يبدو أن القارئ لا يمكن أن يعتقد إلا أن المقصود: حرية التعبير في (الجهر بقولة الكفر)، و(الكفر بعد الإسلام)، ونفي القداسة عن المقدسات لدى المجتمع: (الله، القرآن، الرسول، الإسلام)، والتعامل معها بالنقد أو حتى بالذم، أو التحقير، أو السخرية أو الاستهزاء، كما لو كان شيئاً لا قداسة له ولا وقار  .

كما علق الحصيِّن في المقال نفسه على أهمية حماية الوطن ودستوره ، أن تلك التنظيمات السرية والعلنية والتصريحات الخطيرة بحق المقدسات (الله ، الرسل ، القرآن) فقال : ” انتهاك للمرجع الثقافي الأعلى للدولة ، فنظامها الاساسي للحكم يعترف صراحةً بأن هناك مرجعاً ثقافياً (أعلى) يحكم القانون الاساسي للحكم وما يحكمه هذا القانون من قوانين واجراءات وتصرفات في المملكة العربية السعودية (المادة السابعة من النظام الاساسي للحكم) ” ، بل إن هذا الانتهاك يُعد انتهاكاً لحقوق المجتمع في المملكة العربية السعودية، فيقول بعبارة أوضح : « من المعروف أن لكل دولة مرجعها الثقافي الأعلى، هذا المرجع يحكم قوانينها وإجراءاتها وتصرفاتها، ويسمى (القانون الأساسي للحكم)، أو (الدستور)، في ظل هذا الواقع هل يمكن لمواطن أي دولة أن يدعي الحق، بالاستناد إلى حرية التعبير، أو بحكم حريته الشخصية في صورها المختلفة، أن يدعي أن دستور بلاده لا ينطبق عليه، وأن في إمكانه الخروج عليه وتسفيهه والدعوة للثورة على نظام الحكم الذي يحميه هذا الدستور؟ » .

وإضافة إلى ما سبق عن انتهاك المرجعية الثقافية للوطن السعودي ولدستوره ، فإن الجهل أو التجاهل لواقع الحرية في العالم أوقع تلك الفئة بتناقضات متعددة، ويضرب الحصيِّن – في نفس المقال- مثالاً على ذلك فيقول : « ولكن لنستحضر في الذهن الأنظمة الديموقراطية، ففي هذه الأنظمة تكون الجهة التشريعية (البرلمان) لها سلطة عليا في الأمر والنهي، ومن أفراد هذه السلطة: سلطة (تقييد الحريات)، التي تنص عليها وثيقة حقوق الإنسان، بما فيها حرية التعبير». كما يقول في موضع آخر عن مدى الحريات في الغرب ويذكر بذلك مثالاً عن حرية التعبير عن محرقة اليهود : « قد لا يكون محلٌ للإشارة هنا إلى تجريم القانون الفرنسي، وغيرهُ من القوانين في الغرب، تجريمها التشكيك في أعداد الذين أدخلهم هتلر إلى الأفران من اليهود، وصَنَعَ من شحومهم الصابون، بأنهم بلغوا في قصة (الهولوكوست المقدسة!) أكثر من عدد اليهود في ذلك الوقت، أو الإشارة إلى شناعة التشكيك في (الهولوكوست) التي حملت مستشارة ألمانيا إلى التدخل في الشؤون الداخلية لدولة أجنبية، كما اعترفت بذلك، حينما وجهت اللوم للبابا على عفوه عن رجل دين (باحث في التاريخ) ارتكب !! تحت غطاء (حرية التعبير) التشكيك في بعض تفاصيل (الهولوكوست).

بصرف النظر عما ذُكر، فهل يستطيع كاتبو البيان أن يذكروا حال واحدة في أي دولة أوروبية أو أميركية قَبِلت فيها هذه الدولة بالاحتجاج بحرية التعبير تبريراً لتحقير الدستور، أو الدعوة للثورة عليه، أو على نظام الحكم الذي يحميه؟([10])»   الصفويون 

محركوا الليبرالية السعودية:

(ثالث) هذه الأحداث البارزة ما يمكن تسميته بـ ) يقظة الضمير( عند بعض من كانوا في الوسط الليبرالي – سواءً كانوا رموزاً معتبره أم مجرد أفراد !! – حيث أعلنوا التخلي عن الليبرالية والتراجع عنها أو الكفر بها وهم من الجنسين ، وكشفوا بعض المستور من مخططات وأهداف المجموعة الليبرالية التي تتسمى بالمثقفين تارةً والمفكرين أخرى، وكان ذلك عبر مقالاتٍ صدرت من هؤلاء كشفت بعض أسرار التنظيم الليبرالي وخططه تجاه العقيدة والوطن ومؤسساته الدينية ورموزه من العلماء والدعاة ، مما أسهم بزيادة معرفة حقيقة الليبرالية ومخاطرها على الوحدة الوطنية، لاسيما أن تلك المقالات سواءً صدرت من رموز أو من افراد عاشوا في ذلك الوسط يُوثِّقُها ويُقَوِّيها واقع الخطاب الليبرالي الصريح تجاه العقيدة السلفية والمؤسسات الدينية وبعض رموزها ، كما تعززها المواقف الفكرية والاعلامية لهؤلاء تجاه نشر وتعزيز التعددية الفكرية على حساب الوحدة الفكرية  التي هي اساس الوحدة الوطنية .

وعن هذا الحدث المعني بمن استيقظت ضمائرهم، وصدرت منهم مقالات بهذا الخصوص ، بعدما انكشفت لهم حقيقة الليبرالية السعودية التي كانوا في داخلها -كما قالوا-، وقد أكدوا على أن الليبرالية لا تعدو أن تكون عداوة لعقيدة هذا الوطن ، بل وخصماً لبقاء وحدته وقوته من خلال مهاجمة عوامل وحدة الدولة السعودية ، وفي هذا السياق كتب خالد الغنامي مقاله الأول والثاني، وكشف فيهما الحقيقة المرة عن المُحرِّكات الرئيسة لهذه المجموعة الليبرالية، فقال عن طلاقه للِّيبرالية في مقاله المعنون(الليبرالية بوابة كل عدو) : «إنما هو وداع مفارق مبغض للزيف والخديعة، فالليبرالية قد تبدت لي كمشروع يسعى بأساليب ملتوية لتدمير هذا الوطن. كيف؟»، وقد أجاب عن هذا السؤال بقوله: «عندنا في المملكة، دخلت الليبرالية كمنتج مستورد من الخارج ليدخل من جمارك التنوير الديني» . «ثم أصبحت الليبرالية بوابة لكل عدو كاره لمجتمعنا ساعٍ لتفتيته. فكل من يكره شخصيتنا ومذهبنا ومنهجنا وديننا، لم يكن يحتاج إلا أن يقدم نفسه على أنه (ليبرالي) لكي يأخذه الليبراليون بالأحضان ويوجهون له الدعوات ليكون واحداً منهم، واحداً من المثقفين المتحررين من التقليد، المحبين للحياة والإنسانية … الخ .

لكن عندما تكشفت الأمور عند من تكشفت لهم، وأنا منهم، فإذا بكثير ممن يدعي هذا اللقب باعتزاز كبير ليس سوى عدو موالي لأعدائنا، بل واحد من أتباع مخلصين لهم([11]).

وقد كشف الغنامي عن موضوع خطير – إذا صح – حيث الليبرالية السعودية تُعدُّ حسب هذا الكشف معول هدم للوطن ووحدته وقوته الدينية والسياسية ، حينما أكد أن من المحركات الرئيسية لليبراليين في السعودية في مهاجمة الدين ومؤسساته في السعودية (الصفويون بعقيدتهم العدائية) فقال: «هذا التمجيد المستمر للصفويين، وهذا القدح المستمر فيما يمثل هويتنا والمذهب السني تحديداً ، مثل (صحيح البخاري – عمر بن الخطاب – السلفية – الوهابية) جعل المشهد يشبه السهم الصاعد والسهم النازل عند مرتادي المنتديات الليبرالية على الشبكة العنكبوتية. وهذا ما يجب أن ينتبه له كل غافل، أن هناك من يحاول أن يمسخ هويتك أنت، لكي تكون صيداً سهلاً له هو  ([12]).

كما قال عن أهداف الصفويين واستخدام الليبرالية مطية لهم : «لقد أُسقِطَ صدام حسين وحوكم وأُعدِم باسم الليبرالية والتحرير من الطغيان والانتصار لحقوق الإنسان. ليحل محله هؤلاء الصفويون الذين جعلوا الوضع في العراق أسوأ بكثير مما كان في زمن صدام»([13]).

والليبرالية السعودية حسب تعبير الغنامي هي عكس الشعار المعلن تماماً، فهي العداوة لهوية الوطن، وهي التبعية للغير حيث قال: ” سترى أنك في حصن معادٍ لكل ما تعنيه لك هويتك!!!» ([14]).

وقال : “مشكلة الليبراليين السعوديين الحقيقية تكمن في أنهم لا يملكون القدرة على الانطلاق من الذات ، لا بد أن يكون تابعاً “([15]).

وختم مقاله سابق الذكر عن جهات التبعية ، وهو ما يتناقض مع الليبرالية المزعومة بقوله : « إذن لا بد أن تكون تابعاً بالكامل للمشروع (الصهيوأمريكي) ، وإلا فلن تكون ليبرالياً حقيقياً”([16]).

وفي مقاله الآخر يواصل مكاشفاته عن الليبرالية فيكشف عن المحرك الظاهر والباطن للِّيبرالية السعودية ، فيقول الغنامي متسائلاً : «من يقف وراء بعض المنتديات الليبرالية؟ سؤال يحتاج منا جواباً. دعوكم من أولئك الشباب الضائعين الذين يقفون في الواجهة، هؤلاء مساكين لا يملكون عقلاً ولا قيماً ولا أهدافاً حقيقية واضحة، إنما حديثي اليوم هو عن الذين يختفون في الخلف، حيث لوحة التحكم والإشراف العام على تلك المنتديات التي تسمي نفسها بالمنتديات الليبرالية الحوارية»([17]).

ويكشف الغنامي بعض المستور عن التخطيط والاستراتيجية الإعلامية للمجموعة الليبرالية قائلاً: “المواضيع في الغالب عن الصحوة ، وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وقد يكون هناك مواضيع موسمية غير هذين الموضوعين”([18]).

والغنامي مرة أخرى يؤكد على دور الباطنية (الرافضة) في تحريك الليبرالية السعودية ، كما تكشف أقواله عن سرِّ الهجوم المنظم على العقيدة السلفية ورموزها ومؤسساتها التي تُشكِّل الهوية الوطنية للوطن السعودي ، فحينما يتم تجريد المواطن من هويته تسهل السيطرة عليه وتوجيهه .

وما سبق يؤكد انتهاك السيادة الوطنية من أوسع أبوابها من قِبل من وضعوا أنفسهم  (وطنيون)، فيقول: «إنني لا أشك في وجود أيد باطنية تعمل في الخفاء]وراء الليبرالية السعودية[. إنني لا أشك لحظة، أننا أمام غزو فارسي استطاع أن يجمع قلوب البعض ممن يختلف مذهبه عن المذهب الأم في المملكة. غزو ثقافي فارسي يدرك بمكر ودهاء شديد أنك عندما تفقد هويتك، تفقد تبعاً لذلك كلَّ شيءٍ. نعم أنا أكرر سؤال الهوية كثيراً، لكنه يستحق ، فهو أهم الأسئلة: من أنت؟ وماذا سيبقى منا إن سمحنا لهم أن يُلغُوا هويتنا هكذا؟ عندما تفقد إيمانك واعتزازك بالإسلام كما تعرفه، عندما تفقد محبتك واحترامك للنبي الأكرم كما تعرفه، عندما تفقد محبتك لأبي بكر الصديق وعمر الفاروق وعثمان كما تعرفهم»([19]).

يقظة الضمير السعودي:

وفي سياق (الحدث الثالث) عن المقالات الصادرة من قِبل من كانوا داخل تلك الليبرالية السعودية الدكتورة نورة الصالح التي استيقظ عندها الضمير، وكتبت مقالة بعنوان: (لماذا هربتُ من الليبراليين؟) ومما ورد فيها قولها: “قضيتُ سنواتٍ طويلةً أؤمن بقيم الليبرالية؛ أدافع عنها وأناضل في سبيلها, وأدبج الصفحات في جمالها”….

“كنت أظن أن دعاوى العدل الذي تصدح به الليبرالية هي دعاوى حقيقية!! وأن حقوق الإنسان هي معصرة الليبرالية الخالصة, وأن الحرية والمساواة التي يُنادى بها آناء الليل وأطراف النهار هي قيم حقيقية تستحق التضحية وبذل النفيس في سبيلها”…… “كنتُ – كمثل كل الليبراليين العرب – أمريكيةَ الهوى؛ يشدني المجتمع الأمريكي, وتُعجبني منظوماته الفكرية والأدبية والسياسية والاقتصادية ، كنت أقرأ لفكرهم أكثر مما أقرأ في صفحة واقعنا وحضارتنا وديننا لمدة طويلة ، صدقت أن الليبرالية هي الحل”([20])……

وتكشف نورة الصالح فساد الليبرالية السعودية ، وإفسادها لشباب وفتيات هذا الوطن ، بقولها:” المهم هناك أيضًا ممارسات أخرى لكن أُنزِّه آذانكم عن قولها، بصراحة لم تكن شعرة الانفصال الأولى هي (خلاف فكري مع الليبراليين)، لكنها كانت صدمة (الانحطاط السلوكي) بينهم ، هالني جدًا – وما زال – هذا الانحطاط الأخلاقي الكبير بين شباب وفتيات الليبراليَّة في وطني , وبدأ زعم المصداقية والشرف والأمانة الذي يدعونه ليل نهار يتزعزع عندي ، بدأت تنازعني الشكوك حول مصداقية دعاة الليبرالية في بلادي, وبدأت أفتح عيني جيدًا ، تكشفت لي الكثير جدًا من الأسرار من خلال كتاباتي في الجريدة , واتصالي بالليبراليات والليبراليين ومحاورتهم ، اكتشفت أن هناك علاقات بين بعض الكتاب والكاتبات مع أن البعض منهم متزوجون!” ([21])…..

وتستطرد الصالح في الكتابة عن بعض ما اكتشفته من داخل المجموعة الليبرالية عن الجوانب الأخلاقية والسلوكية مما لا يُصدَّق، لولا أن هذا القول من الوسط الليبرالي نفسه ، فتقول : “اكتشفت لقاءات دورية مشبوهة في استراحات خارج المدينة تُدار فيها أشربة محرمة, ورقص الفتيات في حضور كتَّاب وكاتبات بعضهم معروف في الصحافة، وأكثرهم ناشط فقط في الكتابة الإنترنتية، اكتشفت أن هناك الكثير من اللقاءات غير المشروعة تُعقد خارج المملكة , بعض تلك اللقاءات كانت تتم على خلفية معارض الكتاب خارج المملكة، أو في البحرين على خلفية عرض سينمائي!”…. “اكتشفت أن الليبرالية التي ينادون بها هي حروف يتداولونها, يمررونها على السذَّج, فلم أجد أشد منهم ديكتاتورية وتسلطًا وأحادية في الرأي. فكِّر أن تعارض أحدهم أو إحداهنَّ أمام جمع من الناس وانظر كيف يجيبون على تلميحاتك؟!، اكتشفت أن الكثير من الكُتَّاب الليبراليين هم طلاَّب مال وجاه وشهرة, لا أقل ولا أكثر, وأنهم مستعدون للتخلي عن الكثير من قناعاتهم في سبيل ليلة حمراء في مكان ما!”([22]) 

وتكشف الصالح عن العدد المحدود جداً لمن يمكن تسميتهم بالليبراليين الشرفاء أخلاقياً –كما يبدو من سياق قولها – ، كما تكشف بمقالها عن حقيقة الولاء للوطن ، مع ثنائها على غيرهم وتزكيتها لوطنيتهم الحقيقية ، فتقول : ” قلة قليلة من الكُتَّاب الليبراليين الشرفاء يُعدون على الأصابع كان يزعجهم الذي يحدث لكنهم لا يستطيعون تغيير شيء ، أحدهم سألته مرة عن الذي يحدث وكيف نكافحه؟ فرد علي: أتصدقين أنني بدأت أفقد ثقتي بالمشروع برمته؟! وأنني بدأت التفكير في التوقف والانعزال عن هذه البيئة الموبوءة؟! ولو أخبرتكم باسمه لاندهشتم!”…. وعن وطنية الليبراليين قالت: ” أدهشني تسابق الليبراليين السعوديين على طلب ود أمريكا بطريقة وقحة لا تحترم مشاعر الجماهير”([23]).

فهل كل ما سبق يخدم بناء الوطنية في نفوس الناشئة ؟ أم أن ذلك يُعزز كل ما يتعارض مع هوية الوطن وقيمه ؟

وفي المقابل فقد أوضحت الصالح عن الوطنية الحقة ، ومن ينتمي إليها ويُضحِّي من أجلها ، فقالت عن هؤلاء بما يكشف عن المزايدة الليبرالية الإعلامية في الوطن السعودي:” على الجانب الآخر رأيت (الإسلاميين) مع ضعفهم إعلاميًا , هم الأقوى والأشرف ، وهم الذين يبذلون دماءهم في سبيل الأوطان , وضد الهجمة الصليبية على أوطاننا ، وجدتهم في فلسطين الكريمة ، وفي العراق ، وفي أفغانستان ، لقد كانوا خط الدفاع الأول ضد التوسع الأمريكي  .

تساءلت: ما لي لم أرَ ليبراليًا واحدًا وجدوه صدفة يدافع عن أوطان المسلمين المحتلة! مجرد نفاق للسلطة ، وشهرة إعلامية ، ورفاه مالي ، وتفريط في الصلاة ، ومشروبات، وعلاقات غير مشروعة … هذه هي قصة الليبرالية في وطني ، ولا ينبئك مثل خبير”([24]) .

وفي سياق (الحدث الثالث) وما فيه من كشف للِّيبرالية السعودية من الداخل، ممن تخلى عنها وتاب منها ، دونت الكاتبة (وداد خالد) بعد إعلان تخليها عن الليبرالية، بعض التغريدات في صفحات تويتر الخاصة بها، وأكَّدَت من خلال ذلك أهداف الليبرالية السعودية في نشر التعددية الفكرية كمقوِّض للوحدة الفكرية والوطنية، لتفضح فيه سلوك الليبراليين والشبكات الليبرالية، وكيف يروجون لقيم الغرب بين الشباب والشابات السعوديين بعد تفريغهم من هوياتهم الثقافية، فقالت: “سوف أكشف الآن بعض حقائق الشبكة الليبرالية، طبعا أنا أكتب منذ تأسيس الشبكة الليبرالية، كانت مهمة المراقبين بالشبكة في البداية مهمتين، (الأولى) نشر مواضيع الإلحاد و(الثانية) مراسلات المعرِّفات التي تحمل أسماء نساء، طلبوا مني كتابة مواضيع تسىء للدين الإسلامي ، وكانت فكرتي آنذاك موضوعي الشهير (حرق الحجاب)، وطلبوا مني أن يخرج معي سعوديات ويحرقن الحجاب أمام برج المملكة، وقناة الحرة سوف تكون متابعة لهذا العمل البطولي برأيهم، تواصلت معهم آنذاك واخترتُ موعد يوم  1/7 ، طبعا أنا حددتُ اليوم وفعلاً كنت ناوية على هذا العمل القذر، ولكن لطف الله منعني والحمد لله، حيث أعلنتُ لمن أراد الخروج معي بتأجيل موعد حرق الحجاب “([25]).

وقد وعَدَتْ وداد خالد في مقالها أن تكشف الكثير عن العفن الليبرالي كما أسمته، إضافة إلى أهمية معرفة العدو الحقيقي للوطن من خلال تأليف كتاب عن هذه المجموعة، فقالت:  “راح ]سوف[ أكتب كتاب كامل عن (العفن الليبرالي) قريباً، وعن تجربتي مع الليبرالية لمدة عشر سنوات ، مروراً بمنتدى (الطومار) و(الشبكة)، ومعهم أيضا أكبر أعداء الدولة السعودية 1-الفقر 2-الفقر 3-الليبرالية”([26]).

ومما سبق يرد التساؤل التالي: هل هذه العداوة لهوية الوطن وقيمه مما يُعزز الوطنية أو مما يُقوضها؟

وإذا كان ما سبق من أقوال واعترافات وشهادات -ممن تخلوا عن الفكر الليبرالي – غير كافية في التعبير  عن مدى الوطنية لدى اصحاب هذا الفكر لأن هؤلاء الكُتَّاب متراجعون ، فإن بعض كتابات الذين لا يزالون يفاخرون بالليبرالية تكشف عن مدى الاخلاص من عدمه للوطن والوطنية، ومن ذلك ما تحويه تلك الكتابات من الطعن في الأساس الذي قامت عليه الدولة السعودية وهو الوحدة الفكرية (العقيدة السلفية)، وبالتالي الوحدة السياسية، وهذا الطعن مما يُصنف لدى أي باحث بأنه عداوة للوطن أو خيانة له ، وعلى الاقل فإنه يتصادم مع معظم تعريفات الوطنية ويتناقض معها ، فالتشكيك في صلاحية تشريعات الاسلام للدولة السعودية في عصر العولمة اضعاف لمرجعيتها الثقافية والفكرية ، وبالتالي اضعاف لقوتها السياسية ، ومن الأمثلة على ذلك الطرح الاعلامي الساخر بوحدة الأمة الإسلامية وعلاقة المملكة العربية السعودية العضوية بتلك الوحدة وأن هذه الوحدة (الأممية) تتعارض مع الوطنية ، وما يترتب على هذا الطرح من اضعاف القوة الوطنية والسياسية المستمدة من أُمميتها {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً}سورة المؤمنون الآية (52) ، بل إن السخرية التي تتضمنها بعض المقالات والكتابات عن هذه القيم -وما فيها من القوة المعنوية للوطن – أمر مشاهد ومعلوم ، بالرغم من حرص كثير من الدول على تسويق قيمها للأمم الأخرى لكسب العقول والقلوب والافكار  كسياسات دولية لتطبيع تلك القيم([27]) ..

وإن من المسلمات المنطقية والعقلية عند جميع الدول أن الاساءة إلى المرجعية الثقافية العليا لأي دستور يُعد من ابلغ درجات الاساءة للوطن ، فكيف بمرجعية دستور الوطن السعودي !! ، وإن القدح بالمؤسسات الدينية ورموزها – وليس نقدها – ، وترويج الافكار والقيم الوافدة والعقائد الفاسدة مقطوعة الصلة بهذا الوطن، إضافةً إلى الولاء للأجنبي وسفاراته كل ذلك مما يقوض الوحدة الوطنية([28]) ويُسهم في تمزيق نسيجه الاجتماعي والوطني .

وبشكل واضح فهل يتفق أو يتعارض مع قيم الوحدة الوطنية في السعودية ما نراه من مظاهرات عنيفة ومعادية ، بل وبصفة متكررة من بعض طائفة الشيعة حيث تُرفع فيها الاعلام الاجنبية والشعارات المعادية للوطن ، إضافةً إلى الكتابات والصور المعلقة لرموز غير وطنية في كثير من البيوت والشوارع والاحياء والمدن التي يقطنها الشيعة مثل القطيف والعوامية ؟ ومرة أخرى هل تعد الكتابات والمدونات المعادية للفكرة التي قام عليها الوطن -كما هو الحال عند الأقلام الليبرالية وطائفة الشيعة – مما يخدم الوطن والوطنية ؟ ، وكل ذلك الواقع المُعاش مما يطرح تساؤلات عن الوطنية الحقيقية([29])، فهل بعد ذلك كله أو بعضه ما يستوجب القول أن ما يُطرح عن الوطن والوطنية من قبل هؤلاء وأولئك مزايدات ؟ أم أن هناك مفهوم آخر للوطنية غير معروف ؟ .

الوقاية والعلاج :  

الاعتداء على الذات الإلهية أو على محمد صلى الله عليه وسلم أو القرآن أو الأنبياء والرسل وجميع المقدسات يؤذن بحلول عقوبة الله على الأمم والدول بالزوال لأنه من أعلى درجات الظلم للنفس وللغير، وهو اعتداء على الحقوق المقدسة للآخرين قال تعالى: “وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ” ]سورة الأنعام (68)[. كما أن الاعتداء السابق يُعدُّ اعتداءً على حقوق الوطن وعلى سيادته ودستوره، وهذا الخطر يُعد أشد على الوحدة الوطنية من العمليات الإرهابية والاعتداءات الفكرية الاجنبية، لأن هذه الأفكار  الوافدة تتناقض مع المرجع الأعلى لدستور الوطن، وبالتالي فإنها أفكار تضعف وحدته أو تُجهز عليها.

كتب الحصيِّن في ورقته المنشورة بصحيفة الحياة السابق ذكرها ، بعنوان : (حرية التعبير… هل عليها قيود في المملكة؟) إلى ما يمكن اعتباره سببا من الأسباب الرئيسية لتحول الحالات الفردية إلى ظاهرة خطيرة تستوجب الوقوف والتأمل ، كما تستوجب الرجوع إلى شريعة السماء في معالجة هذه الظاهرة دون هزيمة نفسية ، فقال : « كم مرة رأينا الوفود من السياسيين والاجتماعيين والتربويين وغيرهم يأتون للمملكة ليقنعوها بعدم العقاب على الردة بحجة (حرية الرأي والتعبير والضمير والمعتقد)، ونرى إخواننا من الخاصة وليس العامة ترتجف الأرض تحت أقدامهم، وترتعش أفئدتهم، ويتصبب العرق من جباههم، شاعرين بالحرج ألا يتمكنوا من مواجهة هذا الهجوم، لم يدرك هؤلاء الإخوة أن هجوم عدوهم لا تدعمه قوة حجة وبرهان، إذ لا يَستند إلى قاعدة قانونية معترف بها، أو إلى محاكمة منطقية سليمة أو إلى أساس خُلقي » .

ويلفت الحصيِّن نظر القارئ في مقاله سابق الذكر إلى أن شعارات الحرية وحقوق الإنسان عند الدول الكبرى لم تكن عائقاً في ممارسة الانتهاك المنظم، حينما يكون ذلك في سبيل تحقيق مصالحها -كما تزعم- وإن تعارضت تلك الانتهاكات مع كل القوانين الدولية لحقوق الإنسان والحريات، وكأنه يقارن في الوقت ذاته بين ممارسة حق السيادة السعودية كحق مشروع يتماشى مع دستور الدولة السعودية، بل ويحميه، وبين الانتهاك المنظم من الآخرين لقيم ومبادئ حقوق الإنسان والشعوب ، فيقول: «عندما تقوم أول دولة غربية أعلنت عن حقوق الإنسان، وتصف نفسها بأنها: أغنى وأقوى دولة في التاريخ، حين تقوم باختطاف الناس وشحنهم بالطائرات إلى المواقع السوداء Black sites، أعني مراكز التعذيب في أوزبكستان، ودول أوروبا الشرقية، وبعض دول الشرق الأوسط، على سبيل المثال سورية، وسجن (باغرام) تحت سلطة الجيش الأميركي في أفغانستان، وماذا نسمي إسهام دول عدة في الدعم اللوجستي لهذا العمل «الإنساني!!!»؟ هل لها اسم غير انتهاك حقوق الإنسان ومخالفته والانحراف عن وثيقة تلك الحقوق، وإن جرى تحت سمع القانون الدولي وبصره.

وينبه الحصيِّن في مقاله سابق الذكر إلى وجوب التنبُّه إلى هذه الانتهاكات للمقدسات، وأن ذلك انتهاك خطير بحق كل المسلمين في السعودية، بل وحقوق عامة المسلمين خارجها ، وأن المنظمات الحقوقية الدولية من خلال الحماية أو التأييد مسهم في تلك الانتهاكات ، فيقول: «وعندما تستعيد الذاكرة أن المسلمين في المملكة يؤمنون بأن الله وحده المستحق منهم لغاية الخضوع والاستسلام وغاية الحب والتعلق« ،  »الاعتراف بحقوقهم وحرياتهم تمنع التسامح مع أي تعاملٍ مع هذه الذوات المقدسة بما يخالف الأدب الواجب لها والوقار، فهم إذاً عندما لا يتسامحون مع ذلك إنما يفعلون ما يتطابق تماماً مع القيد الوارد في الفقرة الثانية من المادة (29) .

ومن الطبيعي أن يشعر المسلمون في المملكة بأنهم يُؤذَون نفسياً بالعدوان في التعامل السلبي مع الثوابت والمقدسات أكثر ما يتأذون جسمانياً أو مالياً بالعدوان على الجسم والمال، ويعتقدون أن حقهم في عدم التسامح مع أي انتهاك لما ذكر، لا يقل عن حقهم في عدم التسامح مع أي انتهاك لحقوقهم أو حرياتهم الأخرى المقررة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان([30])».

وبقى في الاخير أن نعرف أن هوية الوطن السعودي مرتبطةً ارتباطاً وثيقاً بالجانب الديني بعقيدته السلفية فهي هويته([31]) ، وتلك الهوية هي الخيار الوحيد لهذا الانسان في هذا المكان وهي قَدَره، والوطنية الحقة لإصلاح الواقع القائم، أو أي مشروع وطني قادم وقائم على التغيير من الداخل أو الخارج يجب أن ستحضر الحقيقة التاريخية التي مفادها (التوحيد السياسي على أساس الوحدة الفكرية –العقيدة السلفية-)، ولذلك فإن الوطنية الحقة هي التي تكون بالتفاف الحاكم والمحكوم على حدٍ سواء على الفكرة الموحِّدة للوطن، ومحاسبة كل طرف للآخر على مدى الالتزام بقدسية تلك الفكرة وعدم مخالفتها من الطرفين فهي حزام الأمان وسفينة النجاة ، واذا كان لكل أمة من أمم الأرض ودولة من دولها خصوصية قام عليها الوطن وتأسس عليها وتوحد بها، فإن خصوصية هذا الوطن هي التي رسمت (الوطنية له) دون وصاية من أحد ، وذلك لأن التاريخ هو من يُحدد، وقد كتب التاريخ ودوَّن كيف قام هذا الوطن، وبماذا توحَّد، وعلى أي فكرة أو أيديولوجيا تأسس!! وكيف قبلت الاقلية الطائفية بذلك، بل وتفاعلت مع تلك الوحدة فترة طويلة من الزمن([32])، فكانت الوحدة وكانت صياغة دستور الوطن من تلك الفكرة المُوحِّدة([33]) ، وتلك هي الوطنية لأية دولة دون مزايدات من أي طرف من الأطراف .

 

كتبه/ محمد بن عبد الله السلومي

[email protected]

_________________________

([1]) يُعد ما ذكر اعلاه عن دور الدين في تعزيز قيم الوطنية هو القاعدة العامة، والاستثناء لا ينفي تلك القاعدة بل يؤكدها ، ومن الاستثناءات نشؤ الحركات القومية واليسارية والبعثية والناصرية وما حملته من أفكار ثورية وانقلابية زمن الملك سعود ، والملك فيصل بحجة أهمية المملكة الدستورية ، والاعتراض على بيع النفط بأسعار مجحفة بحق الوطن (انظر د / محمد ملين ، كتاب علماء الاسلام ، ص 199 – الشبكة العربية للأبحاث والنشر)، ويضاف إلى تلك الاستثناءات حركة جهيمان العتيبي بحجة التساهل في تطبيق الاحكام الشرعية ، وبروز القاعدة واسامة بن لادن بحجة ترك الجهاد والخضوع للأجنبي ، وقد يكون القاسم المشترك بين هؤلاء وأولئك هو الافراط والتفريط في امر الدين ، كما أن بواعث ذلك هو الغيرة على الوطن ان تنتقص سيادته وحكمه بغض النظر عن الخطأ والصواب في ذلك ، لكن كل تلك الاستثناءات لا تلغي القاعدة العامة عن دور الدين ومناهجه الشرعية في تقوية الوطنية ، بل إن تلك الاستثناءات تؤكد أهمية العمل بالقاعدة العامة لمعالجة الافراط والتفريط  . 

([2]) هذا الواقع مما يوجب على أهل الاختصاص البحث في معرفة مدى أهمية عمل دراسات مقارنة تبحث في الأثر  السابق واللاحق للنصوص الشرعية في المناهج، وأثر نقصانها على ضعف القيم أو قوتها خاصةً القيم المتعلقة بالمصالح العامة للوطن،

([3]) يلاحظ أن وجود التطرف بشقيه (الغلو بالدين والتفريط فيه) قد زاد في تلك الفترة التاريخية التي صحبت الاحداث السابقة ، كما أن ارتفاع صوت الحديث عن الوطنية – وهي من المسلمات لدى المواطن كل – ذلك يُعد من مؤشرات ضعف الوطنية . 

([4]) الالتزام بقيم الوطنية مطلوب من الحاكم والمحكوم على حد سواء حيث وجوب الالتزام بكل قيم الفكرة الموحدة بين الحاكم والمحكوم للحافظ على مقدرات ومكتسبات الوطن المعنوية والمادية ، واي اخلال بذلك من الحاكم أو المحكوم فهو اخلال بالوطنية .

([5]) انظر موقع قناة B.B.C البريطانية http://www.bbc.co.uk/arabic

([6]) انظر حوارات ونقاشات بين الدكتور محمد الحضيف و عبد الله حميد الدين.

([7]) انظر موقع سبق الالكتروني http://sabq.org

([8]) كتب هذا الرد وهو على سرير المرض في مستشفى الحرس الوطني بالرياض ، مما يعكس أهمية الموضوع وغيرة الشيخ على الدين وعلى الوحدة الفكرية للوطن .

([9]) أنظر صحيفة الحياة بتاريخ 5/3/2012م .

([10]) انظر المصدر السابق ، صحيفة الحياة.

([11]) انظر موقع 2012/03/07/154056http://www.alsharq.net.sa/

([12]) انظر الموقع السابق

([13]) انظر الموقع السابق

([14])  انظر الموقع السابق

([15]) انظر الموقع السابق

([16]) انظر الموقع السابق

([17]) انظر موقع http://www.onaizah.net/majlis/t.157334html

([18])  انظر موقع http://www.onaizah.net/majlis/t157334.html

([19]) انظر الموقع السابق .

([20]) انظر موقع http://www.alukah.net/Culture//3745/0

([21]) انظر الموقع السابق .

([22]) انظر الموقع السابق .

([23]) انظر الموقع السابق .

([24])  انظر الموقع السابق .

([25]) انظر موقع http://www.buraydhnews.com/news.php?action=show&id=4921

([26])  انظر الموقع السابق .

([27]) أنظر على سبيل المثال المقالات التالية : (الحريم العلماني.. الليبرالي / ملاك الجهني) وأنظر موقع lebraly.com

([28]) انظر لمعرفة حجم مؤثرات الفكر الليبرالي على الوحدة الوطنية على سبيل المثال: كتاب (حقيقة الليبرالية وموقف الاسلام منها) للشيخ سليمان الخراشي .

([29])  أنظر على سبيل المثال المواقع التالية www.aqaed.com/  و  www.radood.net/ .

([30]) انظر صحيفة الحياة بتاريخ 5/3/2012م  .

([31])  لا نقصد بالعقيدة السلفية تلك الصورة الذهنية السلبية المشوهة الناتجة عن الممارسات والتطبيقات الخاطئة من بعض العلماء، أو بعض الجماعات المنتمية للسلفية ، فالسلفية أكبر من هؤلاء وهي تتجاوز كل صور الاحتكار أو الحزبية .

([32])  من الملاحظ تاريخياً أن طائفة الشيعة قبلت هذه الوحدة ونعمت بحقوقها كغيرها من المواطنين في غالب الأمر في السعودية ، وقد عكرها مؤخراً التغذية الفكرية وتدخلات الدول الطائفية ، إضافة إلى تدخل المستعمر الأجنبي بدوره المشبوه في دعم الاقليات الدينية والاثنيات العرقية تحت مسميات (حقوق الانسان) بالرؤية الغربية ، وبدعم من جنود المشاة من اصحاب التوجهات العلمانية والليبرالية في العالم العربي والاسلامي . 

([33]) أنظر كتب التاريخ عن الدولة السعودية ، ومنها على سبيل المثال محمد جلال كشك كتاب ( السعوديون والحل الاسلامي ) ، وانظر الباحث الفرنسي محمد ملين في كتابه ( علماء الاسلام ) .

تصفح الرسالة pdf

لا توجد تعليقات

بريدك الالكتروني لن يتم نشره


الاشتراك في

القائمة البريدية

اكتب بريدك الالكتروني واضغط اشتراك ليصلك كل جديد المركز

تصميم وتطوير SM4IT