Skip to main content

17_(رسالة مفتوحة) إلى أعضاء مجلس الشورى والمسؤولين عن العمل الخيري

بسم الله الرحمن الرحيم

يُناقَش في مجلس الشورى (تنظيم آلية التبرعات) وهذا ما يستوجب الإسهام بالرأي والمشورة من الجميع، حيث أن هذا الموضوع حقٌّ من حقوق المواطنين على السواء، وهذا الموضوع وما يرتبط به من أنظمة مأمولة عن العمل الأهلي والإنساني الخيري أصبح قضية شائكة، بالرغم من أنها من معايير وسمات حضارة دول العالم الأول، والمقام هنا ليس عن نقد جزئيات اللوائح التي هي موضع نقاش جميع من يعنيهم الأمر في مجلس الشورى، لكن عن المناخ السليم في مناقشته.

تصدَّرت السعودية قائمة أكبر الدول المانحة بمعوناتها الحكومية حسب تقرير الأمم المتحدة لعام 2010م, بل هي الأولى حسب إجمالي الناتج الوطني في التقرير نفسه، فدولتنا – بحمد الله- دولة العطاء (حكومة وشعباً)، ولسنا بصدد إحصائيات العطاء السعودي الكبيرة، لكن مثالاً واحداً كافٍ للتعبير عن أهمية ميلاد نظام متكامل (وليس لائحة فقط) أو مواد محدودة ضمن نظام المؤسسات والجمعيات الأهلية الذي لم يرى النور حتى الآن، أليس من المناسب تبنِّي نظام متكامل تعكس آلياته ومواده ثمرات العطاء لصالح الدولة (حكومة وشعباً)؟ فمثلاً: نصف مليار دولار دُفعت (نقداً) لبرنامج الغذاء العالمي، لم تنفذه شركات الوطن أو مؤسساته الخيرية المعنية بالخارج في مواقع الاحتياج، وفق معايير الأمم المتحدة كما تفعل معظم دول العالم إزاء معوناتها الدولية، بل لا تُعرف أي نتائج (قياس أثر) إيجابية لصالح الوطن عن تنفيذه، وهذا وغيره مما يتطلب ميلاد نظام شامل للداخل والخارج ومتكامل يشمل تنظيم آليات ووسائل تنفيذ المعونات الحكومية بما فيها الحملات الحكومية الأهلية مثل: (حملات أفغانستان، والصومال، وأخيراً سوريا) حيث ولَغَ الإعلام الجديد في مصداقية الدولة والحكومة، بل والتشكيك بوصول تلك المعونات للمحتاجين، ويدعم ذلك التشكيك ويعززه عدم وجود آليات ووسائل تنفيذية واضحة من عدم وجود مؤسسات وطنية تنفذ وتشرف بشفافية مالية مقنعة من خلال إعلان كل المصروفات – شهرياً – من تلك الأموال التي جمعتها الحكومة.

ألا تستحق هذه المعونات الحكومية الضخمة والتبرعات الأهلية للداخل والخارج أن يكون هناك نظام خاص على مستوى عطاء الدولة وطموحات شعبها؟ فهو يمس حقوق المانح والممنوح والغني والفقير والطالب والطالبة والكبير والصغير من الرجال والنساء على حد سواء، لا سيما أن عدم وجود هذا النظام وغياب شفافية التبرعات والحوالات بنظام واضح أصبحت عواقبه وخيمة، لا سيما بفعل ما وُضع من عقوبات وقرارات صدرت مؤخراً وكانت لها ردود فعل سلبية لدى المنظمات الحقوقية (مُستَهل عام 1435هـ).

وأرشيف التاريخ يقول: كان إيقاف معظم أنواع التبرعات وفعاليات الحملات الأهلية للتبرعات واقعاً تحت تأثير الحملات الدعائية الأمريكية على المملكة العربية السعودية، وقد يكون بسبب بعض التجاوزات الفردية المحدودة التي تستوجب المعالجة دون التوقف, وكانت تلك الحملات العدائية للوطن ردَّ فعل على التبرعات السعودية للخارج, ويلاحظ أن هذه (اللائحة القديمة والمقترحة) اقتصرتا على التبرعات الخاصة بالداخل, مما يعني عدم شمول اللائحة لمعالجة مسببات التوقف والأزمة.

وإغفال أهمية التبرعات للخارج نقص في المعالجة لا يستند إلى دليل, بل قد يكون فيه تجاهل للمشكلة الكبرى، حيث لا يمكن تجاهل أهمية العطاء الخيري من أبناء هذا الوطن لإخوانهم المسلمين, ويكفي أن المعونات السعودية الحكومية للخارج تفوق العطاء الأهلي عشرات المرات مما يدل على أهمية العطاء للخارج من كل من المجتمع والحكومة على حد سواء.

تقول كبيرة الباحثين البريطانية الأمريكية تانيا كارينا سو Tanya Cariina Hsu والتي عملت في معهد بحوث السياسة الشرق أوسطية IRMEP من أمريكا: (لقد تابعت الدعم المالي للإرهاب لمدة ثلاث سنوات ولم أجد أي علاقة للسعودية بذلك…) وتقول: (جمع التبرعات أمر لا يخضع لمنطق عقلي، فالصدقة هي الصدقة ، وليس هناك فوضى وفساد في عملية جمع التبرعات في العالم أكثر من الجمعيات الخيرية الأمريكية…) وتقول: (لقد كتبتُ عن إزالة صناديق جمع التبرعات في السعودية من المساجد بغضب وقلتُ: هل ستطلب السعودية نفس الشيء من الكنائس الأمريكية لو أن مسيحيين هاجموا مسلمين؟). (كتاب ضحايا بريئة، ص54-55).

وحيث أن النقاش في مجلس الشورى (السلطة التشريعية) يُنتظر منه نظاماً يجذب المواطنين للعمل به والافتخار فيه، وليس لسبق الناس له أو تجاوزه، فالأمر في هذا الشأن أكبر من اللوائح، لاسيما أن المجتمع السعودي لا يزال يعيش صدمة إيقاف معظم فعاليات التبرعات وآثارها السلبية على بعض المواطنين والتجار والمؤسسات على مدى أكثر من عشر سنوات مضت، فالحكومة تعيش أزمة تنظيم يخص هذا الموضوع, ولا يوجد سوى لائحة جمع التبرعات القديمة الصادرة بقرار مجلس الوزراء رقم/ 547 في 30/3/1396هـ.

وبالنظر للاعتبارات السابقة فإن على اللجنة المعنية وأعضاء مجلس الشورى المناقشين لهذا النظام أو اللوائح إدراك أنهم يُقدِّمون نظاماً يعالج أزمةً لدى الحكومة والشعب السعودي على حدٍّ سواء, وأنه طال انتظار هذا النظام, مع مراعاة أن أصوات حقوق الإنسان وموجاته وتوجهاته تجتاح العالم ودول الجوار بشكل خاص حيث تحولات القوة للشعوب, وأن كل مواطن سعودي يؤمن أن من حقوقه البديهية التبرع والعطاء لأنه أمر محسوم في الشرائع السماوية والقوانين الأرضية, ففتح الآفاق في هذا النظام ذكاء وزكاء، ومن مصلحة الحاكم والمحكوم لدولتنا ووطننا المبارك.

وباختصار فحجم (العطاء وحجم المشكلة وأهمية تلبية الحقوق)، كل ذلك مما يُعزِّز العمل على ميلاد نظام متكامل وشامل عن تبرعات الداخل والخارج بحجم الدولة وعطائها (حكومةً وشعباً) مما يتطلب التعاون وتهيئة المناخ للمبادرة السياسية في إخراج النظام الشامل الموعود به، والذي يُؤسس لعمل إنساني مؤسسي يليق بمكانة الوطن السعودي، كما يمنح المجتمع الأمن والأمان في التعاطي والتعامل مع هذه القضية، وهذا مما دعا أحد الكتَّاب الوطنيين الأستاذ/ عبد العزيز السويد أن يكتب عن هذا الموضوع في صحيفة الحياة مقالاً بعنوان: (مفوضية العمل الخيري.. لماذا تبخرت الفكرة؟) بتاريخ: 15/2/2014م، وفيه يدعو لجنة الشؤون الاجتماعية في مجلس الشورى لحسم هذا الموضوع وللحد من الخسائر، والحفاظ على تراكم الخبرة والجهود السابقة، وذلك بنفض الغبار والبحث عن المشروع المتكامل لدراسته وإقراره بصورة مُثلى.

وفي هذا السياق فإن التذكير بالمخاطر والعواقب لكل من يعنيه الأمر سنة ربانية، كتب معالي الشيخ صالح الحصين–رحمه الله-حول هذا الموضوع في ورقته العلمية المنشورة ببعض المواقع الإليكترونية شوال 1433هـ المعنونة: (جهود الغرب في تحجيم البذل التطوعي الإسلامي … لماذا؟).

وفيها قال: (في عقيدة المسلم، أن أي جهد يبذل للنفع العام مع الإخلاص هو من سبيل الله، وإن الصد عن سبيل الله بأي وجه يستحق ما وصفه الله به في القرآن، وتوعَّد عليه، ففي سورة الفجر والماعون نعيٌ على من لا يحضُّ على طعام المسكين فكيف بمن يعوق إطعامه، لقد أوضح القرآن أن منع الإنسان من العبادة الخاصة النفع به من أشنع الظلم، فكيف بمنع العبادة التي يتعدى نفعها إلى الغير!!.

وعندما يَغْفَلُ أهل بلد عن هذا الجانب فلا يُقْدر قَدْرَه، فقد يغفلون أيضا عن آثار هذا الوضع المدمرة على أمن المجتمع واستقراره وسلامته، ليس الأمر قاصرا على تعويق مواجهة الحاجات الأساسية للبشر من طعام وغذاء وإيواء وتعليم وتهيئة للعيش الكريم، بل حرمان الناس ولا سيما شبابهم الذين تملأ قلوبهم ومخيلاتهم الأشواق إلى المثل العليا والإرضاء النفسي بالبذل للغير حرمانهم من المجالات النافعة السليمة، فيدفعهم الإحساس بالفراغ Existential Vacuum، والحرمان من البذل للغير، والحاجة النفسية الملحة لملئه، إلى مجالات قد لا تكون نافعة ولا سليمة.

مغزى ما تقدم، أن البذل التطوعي في سبيل النفع العام في جانب الإنسان المسلم ليس فقط وسيلة للإرضاء النفسي ومن ثم تلبية لحاجة طبيعية للإنسان السوي بل هو عبادة وشوق إلى رضى الله وتلبية لنداء مُلح من الضمير والوجدان.

هذا يعني أن أي تحديد لفرصة الإنسان المسلم في ممارسة البذل التطوعي للنفع العام لن يكون فقط مجرد انتهاك للحرية الشخصية والمدنية بل انتهاكا لحق الإنسان في حرية العبادة، وحرية الضمير) انتهى كلامه.

وقد ختم معالي الشيخ صالح مقاله سابق الذكر بقوله: (العبرة من كل ما سبق، أن يحس كل مواطن مخلص لدينه، وصادق الولاء لوطنه وحكومته بأنه مسئول عن عمل ما يستطيعه للتوعية بهذه الحقائق تمهيدا للعودة بالوطن الحبيب إلى وضعه الطبيعي رائدا في البذل في سبيل الله، وبأهله لليقين بأن البذل في سبيل الله هو الشكر العملي لنعمه عليهم، مشفقين من زوال هذه النعمة [ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ]، وللأخذ بمعايير الصلاح والإصلاح التي يطمح لتحقيقها كل وطني يتطلع لترتيب متقدم لوطنه في السلّم الحضاري الإنساني، وبالله التوفيق).

ولهذه الاعتبارات وغيرها فإن التذكير بما يحقق مصلحة المواطن والوطن من الأولويات على كل مسلم غيور على وطنه، ولذلك كُتِبَت هذه الملاحظات والمقترحات العامة لأعضاء مجلس الشورى ومنسوبي العمل الخيري لفتح النقاش والحوار والحفاظ على المكتسبات بتعزيز رسالة الوطن.

ملاحظات عامة ومقترحات:

أولاً: يُلاحظ أن المواد المقترحة في اللائحة يغلب عليها طابع التحديد أو التحجيم -أحياناً- أكثر من فتح الآفاق ومضاعفة المجالات وزيادة الوسائل ودعمها, بل ويجب وضع الحوافز والمكافآت اللازمة للأفراد والجمعيات لاستيعاب رغبات وطموحات المجتمع السعودي المعطاء, وهذا ما يستوجب إعادة الرؤية لتكون شاملة, وأن لا يسيطر عليها الهاجس الأمني المبالغ فيه حتى لا يصبح التقييد هو الباعث على التنظيم, ولا يكون هذا الهاجس هو الحاكم والمسيطر على النظام المقترح, فحينما يسيطر هذا الهاجس فإن النظام واللوائح ستكون ضحايا في الغالب لضوابط الأنظمة وتقييداتها، علماً بأن الحالات الشاذة عن القاعدة العامة لا تلغي أو تعطل النظام العام في أنظمة جميع الدول, فالنظام بتقييداته لا يعني أنه أحكم السيطرة على كل شيء, بل إن المبالغة في التقييد تعني للطرف الآخر الهروب من النظام والبحث عن منافذ أخرى , وكلما كان النظام أو التنظيم واسعاً ورحباً كان مستوعباً وجاذباً لا طارداً، كما أن كل القيود والضوابط والاحترازات الدقيقة في الحركات المالية الرسمية لمؤسسات القطاع الحكومي لم تمنع تنامي الفساد المالي المستشري في بعض قطاعاتنا الحكومية – حفظ الله بلادنا من كل مكروه -.

ثانياً: الأخذ بعين الاعتبار أن كل جمعية حصلت على ترخيص رسمي لمزاولة نشاطها من الجهات الحكومية المعنية لها الحق الكامل في العمل بجميع وسائل جمع التبرعات وفعالياته دون ترخيص خاص بالتبرعات, فوجود الجمعية وعملها ونشاطها اليومي قائمٌ أصلاً على جمع التبرعات وفعالياتها اليومية، فكيف يكون في اللوائح أو التنظيمات ما يوجب على الجمعيات أخذ التراخيص لجمع التبرعات!!، ولأن مقتضى الترخيص الرسمي للجمعية ذاتها يعني وجود الرقابة الكاملة على الجمعية المعنية، حيث رقابة مجلس الإدارة, والجمعية العمومية, والمحاسب الخاص للجمعية, والمحاسب العام القانوني, والمانح أو المتبرع للجمعية، إضافة إلى إشراف الوزارة المعنية, فالتبرعات اليومية أو الحملات الموسمية لا تتطلب ترخيصاً خاصاَ من أي جهة كانت كما هو مقترح في (مشروع اللائحة) لأن ذلك لا يخدم سوى تعزيز البيروقراطية وتحجيم العطاء.

ثالثاً: يُلاحظ أنَّ اللائحة المقترحة للتنظيم تحاول حصر التبرعات بالتبرعات الالكترونية، وعدم اعتبار التبرعات النقدية ذات أهمية، وهذا مما يقدح في النظام، حيث لا يمكن إغفال أو تجاهل ثقافة المجتمع السعودي القائمة على التعامل النقدي وصدقة السر، وضرورة تواجد صناديق التبرعات والحصالات النقدية في المدارس والمساجد والأسواق كالسابق وكواقع جميع دول العالم، والخطأ يُعالج، فالمساهمات الفردية – مهما قلَّت – حق لكل مسلم في هذا الوطن، ومن غير المعقول أن يتوجه المتبرع إلى مقرات بعيدة للتبرع بمبالغ متواضعة وزهيدة أحياناً لكنها تراكمياً في غاية الأهمية، فعلى سبيل المثال التبرعات الفردية في أمريكا بلغت أكثر من 70% من 300 مليار دولار تقريباً إجمالي التبرعات الأهلية السنوية، والحال في بلاد الإسلام أقوى في دوافع الفرد في التبرع. بل إن انتشار ظاهرة التسول في كل مكان هي بسبب عطاء الأفراد لهؤلاء المتسولين بدلاً من العطاء للصناديق والحصالات والأكشاك الملغاة من كل مكان، وليس أمام المتبرع بتبرعه المتواضع سوى أن يعطي ويتبرع للمتسول بدلاً من صناديق التبرعات.

رابعاً: لا بد أن يشتمل النظام على كل الحوافز لتشجيع جميع أفراد المجتمع على التبرعات للجمعيات الخيرية، مع وضع كل المحفزات والمكافآت للجمعيات والعاملين فيها عن جهودهم في التنافس في تحقيق أعلى المعدلات في تحصيل التبرعات، بل ووضع المسابقات والأوسمة والشهادات لكل ما يخدم تطوير التبرعات ووسائلها، كما هو واقع الدول التي تعمل بفلسفة القطاع الثالث كقطاع تنموي.

خامساً: يُلاحظ على مواد النظام بأن الجهة التي كتبته لم تستفد من نظم الدول التي سبقت في هذا المجال مثل أنظمة المفوضية العليا البريطانية للعمل الخيري, وأنظمة الهيئات العليا الوطنية في كل من السويد والنرويج وفنلندا وغيرهما من الدول المتقدمة في هذا المجال, ولم تستفد من أنظمة بعض الدول المجاورة في هذا الشأن مثل: الكويت وقطر وغيرهما.

مما يتطلب دراسات مستفيضة في هذا الشأن لصناعة نظام ولوائح تتفق وتحديث الأنظمة وواقع المتغيرات الدولية، فقوة المدخلات العلمية ووفرتها لأي مشروع أو نظام يعني قوة مخرجاتها وسلامتها.

نسأل الله أن يوفق الجميع لخدمة هذا الدين وخدمة حقوق المواطن والوطن.

كتبه / محمد بن عبدالله السلومي

[email protected]

 

تصفح الرسالة pdf

 

لا توجد تعليقات

بريدك الالكتروني لن يتم نشره


الاشتراك في

القائمة البريدية

اكتب بريدك الالكتروني واضغط اشتراك ليصلك كل جديد المركز

تصميم وتطوير SM4IT