Skip to main content

02_اتهام المؤسسات الخيرية الإسلامية بتمويل الإرهاب

بالرغم من مرور مدة طويلة على الحملة المنظمة والشرسة والواسعة ضد المؤسسات الخيرية الإسلامية واتهامها بتمويل الإرهاب، وبالرغم من أنه طوال هذه المدة لم يقدم أي دليل على هذا الاتهام بل على العكس ظهرت أدلة تثبت زيف الاتهام، إلا أن كثيراً من الناس _ مع الأسف _ تحت التأثير الطاغي للإعلام لا يزالون يظنون أنه ربما كان للاتهام أساس، وأنه ربما تسربت بعض الأموال من مؤسسات خيرية إلى إرهابيين وهذا ما دفع إلى كتابة المقال في محاولة لتوضيح الحقيقة للقارئ المهتم بالوصول إليها .

مؤسسة الحرمين الخيرية نموذجاً:

اعتبرت مؤسسة الحرمين الخيرية التي يقع مركزها الرئيسي في الرياض من أكبر المؤسسات الخيرية السعودية حجماً وأوسعها انتشاراً في العالم، وقد تعرضت للهجوم المنظم والشرس والاتهام بتمويل القاعدة والإرهاب أكثر من أي مؤسسة خيرية أخرى ولأنها اعتبرت نموذجاً من قبل الإدارة الأمريكية، واتخذت ضدها إجراءات تنفيذية انتهت بإغلاق مكاتبها وتسريح العاملين فيها والقضاء على مشاريعها الإنسانية في خارج المملكة .

وبهذه الاعتبارات فإن حالة هذه المؤسسة هي أنسب حالة يمكن أن تتخذ نموذجاً يكشف حقيقة الحملة ضد المؤسسات الخيرية الإسلامية بصفة عامة.

الحملة داخل الكونجرس:

في عام 2003 حشدت الإدارة الأمريكية عدداً من كبار موظفيها ومن الخبراء من خارج الإدارة للشهادة أمام لجان الكونجرس لإقناعها بخطر (الوهابية) على مصالح الولايات المتحدة بزعم أنها تهيئ بيئة صالحة لنمو ثقافة الإرهاب إذ تتميز (الوهابية) حسب هذا الزعم عن الاتجاهات الإسلامية الأخرى بعداوة غير المسلمين وكراهتهم والعنف ضدهم، ولإقناع لجان الكونجرس بخطر الجمعيات الخيرية الإسلامية بشكل عام والسعودية منها بشكل خاص بزعم أنها تعمل على نشر الفكر الوهابي في العالم الإسلامي وتمول الإرهاب.

وعندما نأخذ على سيبل المثال مجموعة الشهادات المقدمة أمام لجنة الشؤون الحكومية في الكونجرس في 31 يوليه 2003 أو مجموعة الشهادات المقدمة أمام اللجنة المصرفية في 25 سبتمبر 2003 نلاحظ اعتماد الشهود والشهادات على استعمال الأسلوب الخطابي والتركيز على الشحن العاطفي للمتلقي بدلاً من استعمال الأسلوب الموضوعي المعتمد على إيراد وقائع محددة، وأدلة منطقية، وهذا الأمر طبيعي فمن يوجه الاتهام يلجأ عادة إلى هذا الأسلوب في الخطاب عندما يحس فقر مخزونه من الوقائع والأدلة المنطقية .

الشهادات المقدمة في مثل هذه الحالة التي تتهيأ فيها للشاهد كل الوسائل التي تمكنه من معرفة الوقائع والوصول إلى الأدلة لو وجدت، تدل بعجزها عن تقديم أدلة أو ذكر وقائع ليس فقط على أنه لم يوجد دليل على الاتهام بل تدل على أن الاتهام غير صحيح.

كل ما استطاعت تلك الشهادات أن تذكره وتكرر ذكره فيما يتعلق بالمؤسسات الخيرية السعودية واقعتان .

(أ) أن الندوة العالمية للشباب الإسلامي أقامت مؤتمراً في الرياض وكان من بين من حضره احد رجال المقاومة الفلسطينية.

(ب) أن مكتبين تابعين لمؤسسة الحرمين الخيرية في البوسنة والصومال صنفا جهتين داعمتين للإرهاب من قبل الأمم المتحدة بطلب من الحكومة الأمريكية.

سابقة خطيرة:

في الواقع إن هذا الإجراء من قبل هيئة الأمم المتحدة والإجراءات المشابهة اللاحقة تشكل سابقة خطيرة في تاريخ العدالة وفي تاريخ القانون الدولي للأسباب الآتية:

أ/  أن هيئة الأمم المتحدة بهذه السابقة صار لها اختصاص بالفصل في النزاع بين الدول والهيئات الخاصة في حين أن المفروض أن يكون اختصاصها الفصل في المنازعات الدولية التي يكون أطرافها دول وليس هيئات خاصة أو أفراداً .

ب/  أن قرار هيئة الأمم المتحدة العقابي لم يصدر بناء على حكم محكمة تتوافر لحكمها المتطلبات الأولية لقضاء عادل، وصدر حتى بدون سماع دفاع من صدر ضده، بل بدون تمكينه من الدفاع عن نفسه.

ج/  أن المكتبين ليسا شخصين طبيعيين حتى يمكن أن توجه إليها المسئولية الجنائية التي من أركانها القصد الجنائي وهو مالا يمكن نسبته إلا إلى الأشخاص الطبيعيين، ولو افترض أن احد العاملين فيهما ارتكب جرماً وهو أمر لم يظهر حتى الآن دليل عليه – لكان الإجراء القانوني الطبيعي أن يتوجه له الاتهام بالمسئولية الجنائية وأن يقدم لقضاء عادل فإذا أدين قضائيا فيتحمل وحده العقوبة ، ولا تتحملها المؤسسة التي يعمل فيها.

إن هذا الإجراء من قبل هيئة الأمم المتحدة بالإضافة إلى أنه يثير إشكالات قانونية فإنه يثير إشكالات من ناحية قيم الحرية وحقوق الإنسان ويثير إشكالات من ناحية الاعتبارات الإنسانية فمثلا علق أحد المحامين الأمريكيين على إغلاق مكتب الصومال بقوله: ” عندما يتم إغلاق مثل هذا المكتب فإن أول المتضررين من ذلك الناس الذين نحاول أن نساعدهم وكان المفروض إزالة موقع الإشكال إذا وجد دون تعريض المجموعة المستفيدة كلها للخطر إن إغلاق مكتب مؤسسة الحرمين الخيرية في الصومال لهو خير دليل على هذه المأساة، أغلق مكتب جمعية تطوعية دون وضع خطة لمواصلة العمل الإنساني الذي كان يقوم به، في عشية عيد الأضحى التالي لهذا الإغلاق طرد أكثر من الفين وخمسمائة يتيم من المأوى الوحيد الذي لا يعلمون لهم مأوى غيره في بلد مزقته الحرب والمجاعة وأصناف أخرى من المعاناة ، إن المشاكل المترتبة على هذا القرار كثيرة من بينها إمكانية تجنيد هؤلاء الأطفال بواسطة قادة الجماعات المسلحة” .

من بيت الكذبة:

يقول المثل الصيني ( من بيت الكذبة جاء البرهان ) وهذا المثل ينطبق تماماً على حالة مؤسسة الحرمين الخيرية فعندما صدر تقرير لجنة التحقيق في حادث الحادي عشر من سبتمبر، التي شكلها مجلس النواب الأمريكي، تضمن هذا التقرير فصلاً خاصاً عن مؤسسة الحرمين ولم يورد هذا التقرير واقعة محددة تسند (Case Study) الخيرية باعتبارها حالة دارسه اتهام مؤسسة الحرمين الخيرية بتمويل منظمة القاعدة – ذلك الكائن الهلامي الذي شغل العالم بالحديث عنه، ولم تحدد حتى الآن معالمه في أشكال محسوسة.

والقارئ الذي يقرأ التقرير بعناية وتمعن لا ينتهي فقط إلى أن التقرير لم يقدم دليلا على اتهام مؤسسة الحرمين الخيرية بتمويل القاعدة بل إلى أن التقرير نفسه يقدم دليلاً قاطعا على كذب الاتهام، ولإيضاح هذا الأمر فسأورد مقتطفات نصيه من التقرير وردت أشتاتا في التقرير ولكني سأعيد ترتيبها في الفقرات التالية لتتوافق مع المسيرة الزمنية والمنطقية للأحداث :

1) عرف التقرير مؤسسة الحرمين الخيرية بأنها(مؤسسة غير ربحية … تقدم الغذاء) ، والمساعدات للمسلمين في جميع أنحاء العالم وتقوم بتوزيع الكتب والنشرات وتنفق الأموال على مشاريع تأمين المياه الصالحة للشرب وتعمل على إنشاء وتجهيز العيادات الطبية وتدير أكثر من عشرين مركزاً لرعاية الأيتام …).

(أن عديداً من المسؤولين السابقين في الحكومة الأمريكية وصفوا مؤسسة الحرمين الخيرية (United Way) بالنسبة للمملكة العربية السعودية)، المنظمة (United Way) بأنها المشار إليها من أكبر وأشهر المنظمات التطوعية في الولايات المتحدة يعمل فيها مليون متطوع ، وتجمع تبرعات تبلغ أربعة مليارات دولار سنويا.

2) وقال التقرير (أن مؤسسة الحرمين تعمل على نشر الإسلام الوهابي من خلال تمويل ) مشاريع التعليم الديني والمساجد والمشاريع الإنسانية في جميع أنحاء العالم).

وفي هامش 129 من التقرير (أن البعض يقولون إن الوهابية نموذج متشدد من التطرف الديني بينما يعتقد آخرون أنها أفضل من ذلك).

3) وقال التقرير (إن مؤسسة الحرمين قد ظلت تحت المراقبة الحكومية من قبل الولايات المتحدة) كجهة محتملة لتمويل الإرهاب منذ منتصف التسعينات عندما بدأت الولايات المتحدة في تجميع الأدلة ضد بعض الموظفين في بعض المكاتب الفرعية باعتبار أن من المحتمل أنها تعمل على مساعدة تنظيم القاعدة وبعض الجهات الإرهابية ذات العلاقة …).

(في عام 1996 بدأت الدوائر الاستخبارية في الولايات المتحدة في جمع المعلومات الاستخبارية التي تشير إلى أن فروعاً معينة لمؤسسة الحرمين متورطة في تمويل الإرهاب … وبعد تفجيرات شرق إفريقيا في صيف عام 1998 بذلت حكومة الولايات المتحدة مزيداً من الاهتمام بقضية الإرهاب حيث قام مجلس الأمن القومي بإنشاء مجموعة متفرعة من ” المجموعة الأمنية لمكافحة الإرهاب ” للعمل على تركيز جهود حكومة الولايات المتحدة على كشف تمويل الإرهاب ، ونتيجة لهذا التركيز فقد تزايد اهتمام مجلس الأمن القومي بالجمعيات الخيرية السعودية واستغلال ابن لادن في تمويل الإرهاب) .

4) ظلت الولايات المتحدة تطلب من السعودية اتخاذ إجراءات ضد الجمعيات الخيرية ومنها مؤسسة الحرمين الخيرية ، ولكن السعودية ظلت تقاوم بسبب أنه لم تُقدم إليها أدلة أو معلومات يمكن الاعتماد عليها لاتخاذ إجراءات ضد المؤسسات الخيرية يقول التقرير (قد تكون هناك أسباب لعدم تحرك السعودية … يشك البعض في الولايات المتحدة أن السعوديين كانوا مشتركين في الموضوع أو على الأقل غضوا الطرف عن المشكلة التي سببتها الجمعيات الخيرية خلال هذه الفترة بالرغم من أن آخرين يختلفون مع هذا الرأي بشدة).

بالرغم من هذا الاهتمام والتركيز على علاقة مؤسسة الحرمين بتمويل الإرهاب (تستطع حكومة الولايات المتحدة طوال هذه المدة الحصول على معلومات يمكن أن تستند إليها في إقناع السعوديين باحتمال تورط مؤسسة الحرمين في تمويل القاعدة، وقد اعترف التقرير بأن (حكومة الولايات المتحدة لم تقم بأي خطوة ضد مؤسسة الحرمين، كما أنها لم تقم بدفع الحكومة السعودية لفعل ذلك حتى بعد الحادي عشر من سبتمبر).

نحن لم نقدم معلومات كافية للسعوديين لكي يتحركوا ضد الجمعيات الخيرية … إن وقف تمويل الإرهاب لم يكن يحتل الأولوية في العلاقات الأمريكية السعودية … أشار أحد إلى أنه قبل الحادي عشر من سبتمبر كان NSC المسئولين السابقين في الأمن القومي صغار المسئولين في كلا الحكومتين بشكل عام يتولون قضية تمويل الإرهاب وخصوصا إذا نظرنا إلى ضعف المعلومات الاستخبارية حول تمويل الإرهاب والأولوية الدنيا للموضوع … فضلا عن ذلك فإن الولايات المتحدة لم تتمكن من الضغط على السعوديين لأن المعلومات الاستخبارية التي كانت تملكها من طرف واحد حول مؤسسة الحرمين وآلية تمويل تنظيم القاعدة بشكل عام كانت قليلة جداً ، ولم يرغب المسئولون مواجهة السعوديين بمجرد شبهات أنه كانت هناك بعض المعلومات NSC … وقال أحد المسئولين في مجلس الأمن القومي الاستخبارية عن الجمعيات الخيرية ولكنها لم ترق إلى مستوى التحرك من خلالها ضد جمعية خيرية بعينها وقال ” قد يكون أحد الأشخاص متورطا ولكن هذا لا يبرر إغلاق جمعية خيرية على هذا الأساس ” .

ومن وقت لآخر دأبت حكومة الولايات المتحدة في تقديم بعض المعلومات المنتقاة التي لا صلة لها بالموضوع).

5) بعد الحادي عشر من سبتمبر يقول التقرير (بكل بساطة كما هو الحال قبل الحادي عشر من)، سبتمبر فإن المعلومات الاستخبارية ضد مؤسسة الحرمين لم تكن كافية لممارسة الضغوط على الحكومة السعودية لاتخاذ خطوات صارمة ضد المؤسسة برمتها، وكما أثبتت إحدى الأوراق الاستجوابية في بداية عام 2002 بأنه على الولايات المتحدة أن تقوم بجمع أدلة أكثر قوة ومصداقية ضد مؤسسة الحرمين لكي يتم تقديمها للحكومة السعودية كوسيلة لتأمين التعاون المستمر من جانب السعوديين، وبالرغم من أن الدوائر الاستخبارية عبرت مراراً وتكراراً عن مخاوفها من أن الحرمين فاسدة إلا أن آخرين احتجوا بأن المعلومات الاستخبارية التي تم تقديمها إلى صناع القرار إما أنها كانت تتحدث عن جمع الأموال للتطرف أو الأصولية وليس للإرهاب أو أنها كانت تفتقر إلى الدقة . وبسبب عدم وجود المعلومات الاستخبارية الدقيقة فإن حكومة الولايات

المتحدة كانت في موقف المتسائل في تعاملها مع السعوديين فيما يتصل بمؤسسة الحرمين).

(في عام 2002 قال السعوديون مراراً بأنهم مستعدون للعمل ضد مؤسسة الحرمين إذا قامت حكومة الولايات المتحدة بتزويدهم بالمعلومات خصوصاُ حول بعض الفروع والأشخاص وعلى سبيل لولي العهد ALAN RONSON المثال في أكتوبر عام 2002 عبر وكيل وزارة الخارجية الأمريكي السعودي عن قلقه الشديد من أنشطة بعض الفروع لمؤسسة الحرمين فأجاب ولي العهد بأنه على استعداد للتصرف على أساس أي معلومات محددة تقدمها الولايات المتحدة.

لقد رأى البعض في طلب السعوديين للمعلومات من الولايات المتحدة أسلوباً للمراوغة بالنظر إلى قدرة السعوديين في جمع المعلومات عن مؤسسة الحرمين ومؤيديها بينما كان آخرون يشكون في ذلك وبالرغم من أن آلية التعامل بالمثل كانت سائدة إلا أن حكومة الولايات المتحدة لم تطلع السعوديين على المعلومات الاستخبارية التي كانوا يعتقدون أنها موجودة لدينا) .

6) بالرغم من عدم تقديم الولايات المتحدة للسعوديين معلومات يؤسسون عليها اتخاذ إجراءً ضد مؤسسة الحرمين الخيرية فقد ظلت مطالبة الولايات المتحدة وضغطها مستمرين في ذلك ويقول التقرير (بعد الحادي عشر من سبتمبر كان هناك نقاش مستمر في لجنة تنسيق السياسات حول كيفية إشراك الحكومة السعودية في مكافحة تمويل الإرهاب لقد كانت لدى الحكومة الأمريكية سلطات قانونية صارمة بموجب الأمر التنفيذي رقم 13224 … كان الموضوع الأساسي هو هل من الأجدى استخدام هذه الأدوات القسرية من جانب واحد ، أم أنه يجب إتباع نهج أكثر دبلوماسية بإشراك المملكة العربية السعودية فمن ناحية استخدام هذه الوسائل ضد مؤسسة الحرمين وهي واحدة من أهم المؤسسات الخيرية السعودية لن يكون مجديا دون مساعدة السعوديين ومن ناحية أخرى استخدام هذه الوسائل يمكن أن يرسل رسائل صريحة مفادها أن الولايات المتحدة والمجتمع الدولي جادين في محاربة تمويل الإرهاب)، (بالرغم من أن الولايات المتحدة لم تر نتائج ملموسة حتى عام 2003 إلا أنها تمسكت بخطتها في إشراك السعوديين بشكل سري في الأمور المتعلقة بتمويل الإرهاب) (وفي 17 يناير 2002 م قام مساعد وزير الخارجية الأمريكي وليم بيرنز والسفير روبرت جوردان بتقديم اقتراح إلى ولي العهد السعودي … بتجميد الحسابات المصرفية لثمانية من الهيئات والأفراد السعوديين بما فيهم المكاتب الفرعية لمؤسسة الحرمين في كل من البوسنة والصومال … السعوديين كانوا بطيئين في تجاوبهم مع مقترح الولايات المتحدة حول المكتبين الفرعيين لمؤسسة الحرمين )، (وفي النهاية وافقت الحكومة السعودية على المشاركة في تصنيف اثنين من المكاتب الفرعية لمؤسسة الحرمين بالرغم من أنها لم توافق على تصنيف الهيئات أو الأفراد الستة الآخرين التي تم ذكرهم ضمن المقترح وفي 11 مارس 2002 قامت الحكومتان بتصنيف مكتبي مؤسسة الحرمين في الصومال والبوسنة وتجميد أرصدتها ومنع التعامل معهما وبعد يومين قامت الأمم المتحدة بإدراج المكتبيين في قائمة الهيئات التي تقع تحت العقوبات بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1267 وما تلاه من قرارات في هذا الشأن )، (وحتى بعد أن قامت الحكومة السعودية بتجميد أرصدة مكتب مؤسسة الحرمين في الصومال في مارس 2002 نفى أحد المسئولين السعوديين الكبار أمام الصحافة تورط مؤسسة الحرمين في سراييفو في أعمال محظورة ).

7)- وعن عام 2003 م قال التقرير (اقترحت إحدى المذكرات التي صدرت من وزارة الخارجية) في يناير 2003 بأن كل الدلائل تشير إلى أن السعوديين على استعداد للعمل معنا في DC القضايا التي نملك معلومات محدده للتحرك ضدها ) قامت لجنة نواب الوزراء حول مؤسسة الحرمين كانت تهدف إلى تجميع المعلومات Nonpaper بإعداد ورقة سميت المتوافرة لدى حكومة الولايات المتحدة حول مؤسسة الحرمين، ومطالبة السعوديين، باتخاذ خطوات محددة ووضع أطر زمنيه لهذه الخطوات، وإنهاء الورقة بحلول يناير 2003 بهذه الورقة منحها أهمية استراتيجية، بالنسبة للدوائر DC إن اهتمام لجنة الوزراء الحكومية مما دفعها إلى تخصيص الموارد لتطويرها وقامت بالحث على الموافقة بالحصول حول (Nonpaper) على المعلومات) (قام اثنان من المسئولين .. بتقديم تلك الورقة مؤسسة الحرمين إلى المسئولين السعوديين أثناء زيارة خطط لها … في نهاية يناير 2003) لقد عرضت الورقة علاقات مؤسسة الحرمين بالإرهاب مع إيراد التفاصيل عن مختلف الأشخاص والمكاتب الفرعية وطرق تحويل الأموال وأشارت الورقة إلى أن الكثير من الموظفين الميدانيين لمؤسسة الحرمين والممثلين العالميين حول العالم بالإضافة إلى بعض العاملين في مكتبها الرئيسي في المملكة العربية السعودية يبدو أنهم كانوا يقدمون دعماً هاماً لتنظيم القاعدة وإستشهدت الورقة بالمطالب الأمريكية السابقة للحصول على المعلومات من السعوديين وبعض النقاط الاستخبارية الهامة التي أطلعت السعوديين عليها في عام 1998م.

اشتملت على وقائع محدده أو أدلة جديدة بل NonPaper ولا يتضمن التقرير ما يدل على أن الورقة يفهم منه أن تقديم هذه الورقة في يناير 2003 لم يحمل الحكومة السعودية على اتخاذ أي خطوات تنفيذية تجاه مؤسسة الحرمين الخيرية أوالمؤسسات الخيرية الأخرى والأثر الذي أحدث تغيير الزاوية هو أحداث 12 مايو 2003 يقول التقرير ( في يوم 12 مايو 2003 تغير الزاوية : في يوم 12 مايو 2003 قامت عناصر تنظيم القاعدة بتنفيذ ثلاث تفجيرات في أحد المجمعات الأجنبية في الرياض 

ومنذ ذلك الوقت قامت الحكومة السعودية باتخاذ عدد من الخطوات الهامة والملموسة لوقف تدفق الأموال من المملكة إلى الإرهابيين وفي واحدة من أهم خطواتها بعد التفجيرات قامت الحكومة السعودية بإزالة صناديق التبرعات من المساجد ومراكز التسوق ، و منعت جمع التبرعات النقدية في 2003 أتبعت الحكومة السعودية خطوتها التالية بفرض المزيد من / المساجد … وفي مايو 24 القيود على النشاطات المالية للجمعيات الخيرية السعودية … وكذلك منع دفع المبالغ النقدية من الحسابات الخيرية… وكذلك حظر استخدام الصراف الآلي والبطاقات الائتمانية من الجمعيات الخيرية وكذلك منع تحويل الأموال من حسابات الجمعيات الخيرية إلى خارج المملكة العربية السعودية).

ولم تقنع حكومة الولايات المتحدة بهذه الإجراءات بل احتاجت إلى مزيد من الضغوط يقول التقرير (لقد تسببت تفجيرات 12 مايو في جعل السعوديين … مستعدين لتقبل التعاون الهادي، وفي نفس الوقت قامت حكومة الولايات المتحدة بإعداد استراتيجية قوية للعمل .. في محاربة تمويل الإرهاب الولايات المتحدة كانت لديها أجندتها لهذا الشأن وهي استراتيجية التعامل مع السعوديين .. قامت حكومة الولايات المتحدة برفع درجة الحوار حول تمويل الإرهاب إلى مستويات عليا حيث تم نائبة مساعد الرئيس حينها ومستشارة مجلس الأمن القومي لمكافحة F.E.Townsend تعيين الإرهاب لمنصب مسئولة الاتصال لشؤون تمويل الإرهاب بالبيت الأبيض … وقد سافرت تاونسند إلى المملكة العربية السعودية في بداية أغسطس 2003 وقامت بزيارة أخرى في إن السعوديين pcc سبتمبر من نفس العام … قال أحد المسؤولين في لجنة تنسيق السياسات لم يتعاملوا مع تمويل الإرهاب بجدية إلا بعد تعيين تاونسند حيث إنها تمكنت من ممارسة ضغوط قوية عبر فترة من الزمن وبمساندة كاملة من البيت الأبيض .

لقد قطعت الحكومة السعودية شوطاً بعيداً في معرفة حجم مشكلتها مع تمويل الإرهاب ولكننا لا نستهين بتردد الحكومة السعودية في القيام بالتغييرات الضرورية بين الحادي عشر من سبتمبر ونهاية ربيع عام 2003 وسنرى عما إذا كانت في الحقيقة ستتحمل مسئوليتها الذاتية عن المشكلة.

كان المستر أنتوني واين مساعد وزير الاقتصاد وشوؤن البزنس في شهادته أمام اللجنة البنكية للكونجرس في 25 سبتمبر 2003 م قد تحدث عن التغييرات المشار إليها ، وأنها حدثت فقط بعد حوادث التفجيرات في 12 مايو 2003 فقال : ( من المهم جدا أن نلاحظ أن التغييرات التي اتخذت … تذهب إلى أبعد مما يمكن أن يطلب من

سلطة قانونية أن تتخذه ) .

It is important to note that many changes implemend … go beyond what  we would have legal authority to do

الجمعيات الخيرية السعودية لا تستطيع الآن أن تودع أو تسحب بالنقد من حساباتها البنكية ، ولا تستطيع أن تحول من حساباتها البنكية إلى الخارج، وقد منعت الحكومة جمع التبرعات في المساجد وأمرت برفع صناديق التبرعات من مواقعها)، وكما ختم تقرير الحادي عشر من سبتمبر تعليقه ختم مستر واين شهادته بقوله (لنا الحق أن نعتقد أن هذه الإجراءات فعاله ولكن نحتاج إلى أن نرى الآثار ، لقد اتخذت إجراءات لكن أيضا لابد أن نرى النتائج ) – البرهان – .

أ- بعد انسحاب الروس من أفغانستان، وقيام النزاع بين الفصائل الأفغانية ، خرج أسامة بن لادن من أفغانستان وتوجه للسودان حيث أقام مركزاً لتدريب المجاهدين، لم يكن يخفى على الولايات المتحدة أثر فكرة الجهاد في مقاومة الأفغانيين ضد الروس، ورأت آثار هذه الفكرة في فلسطين والبوسنة والشيشان، وحينما صممت الولايات المتحدة الأمريكية (اتفاقية دايتون) أصرت على أن تتضمن شرطاً يقضي بخروج المجاهدين من البوسنة، وفعلا تم ذلك. كان من الطبيعي أن لا ترتاح الحكومة الأمريكية لوجود مركز لتدريب المجاهدين في السودان فمارست ضغوطاً حادة على حكومة السودان أسفرت عن خروج ابن لادن من السودان، وسحب جنسيته السعودية ومنعه من الوصول إلى أمواله ، ولم يجد ابن لادن ملجأ إلا أفغانستان.

معه بعد وصوله إلى أفغانستان مبلغ نقمته على CNN اظهر اللقاء الذي أجرته فضائية الحكومة الأمريكية ، وتوعد بالانتقام.

وحينما حدث التفجير في مبنى التجارة في نيويورك ثم التفجير أمام السفارتين الأمريكيتين في نيروبي ودار السلام، اتهمت الحكومة الأمريكية ابن لادن بأن له ضلعاً في الحادثين وقامت على أثر ذلك بقصف مصنع الشفاء للأدوية في السودان وأفغانستان بالصواريخ.

لما كانت الحكومة الأمريكية تعلم بالإجراءات التي اتخذت للحيلولة بين وصول ابن لادن لأمواله، وتعلم أنه لا يزال يعيش كان من الطبيعي أن يقوم لديها احتمال بأنه ربما كان يحصل على دعم مالي من مؤسسة خيرية.

ب- في ذلك الوقت كانت المخابرات الأمريكية والإسرائيلية والروسية والهندية وربما غيرها تركز نشاطاتها على باكستان وأفغانستان وكان من الطبيعي أن تنال أنشطة ابن لادن واتصالاته حظها من تركيز هذه النشاطات الاستخبارية ذات القدرات اللا محدودة ولم يكن هناك سبب يمنع الأجهزة من التعاون فيما بينها ضد عدو مشترك.

ج- في الفقرات السابقة التي تضمنت نصوصا من تقرير لجنة التحقيق في أحداث 11 سبتمبر كان واضحا أن مؤسسة الحرمين الخيرية كانت منذ عام 1995 تحت مراقبة الحكومة الأمريكية وكان الهدف تجميع الأدلة ضد موظفيها، وتزايد نشاط هذه المراقبة في عام 1996 وبلغ ذروته في عام 1998 بعد تفجيرات شرق أفريقيا ، وظلت الحكومة الأمريكية تمارس ضغوطا على السعودية لتتخذ إجراءات ضد مؤسساتها الخيرية ومنها مؤسسة الحرمين، وظلت السعودية تطلب تقديم. 

معلومات أو أدلة تبرر لها اتخاذ الإجراءات المطلوبة ( فقرة 3) واعترف التقرير ( نحن لم نقدم معلومات كافية للسعوديين كي يتحركوا ضد الجمعيات الخيرية ) (خصوصاً إذا نظرنا إلى ضعف المعلومات الاستخبارية حول تمويل الإرهاب والأولوية الدنيا للموضوع) (لم نتمكن من الضغط على السعوديين لان المعلومات الاستخبارية .. كانت قليلة جدا ولم يرغب المسئولون مواجهة السعوديين بمجرد شبهات) (المعلومات الاستخبارية عن الجمعيات الخيرية لم ترق إلى مستوى التحرك ضد جمعية خيرية بعينها )( من وقت لآخر دأبت حكومة الولايات.

( المتحدة في تقديم بعض المعلومات المنتقاة التي لا صلة لها بالموضوع ( فقرة 4)

د- وحتى بعد الحادي عشر من سبتمبر اعترف التقرير بأنه (بكل بساطه كما هو الحال قبل الحادي عشر من سبتمبر فإن المعلومات الاستخبارية ضد مؤسسة الحرمين لم تكن كافية لممارسة الضغوط ضد السعودية لاتخاذ خطوات ضد المؤسسة)(أثبتت إحدى الأوراق الاستراتيجية في بداية عام 2002 بأنه على الولايات المتحدة أن تقوم بجمع أدلة أكثر قوة ومصداقية ضد مؤسسة الحرمين لكي يمكن تقديمها للسعودية)(بالرغم من أن الدوائر الاستخبارية عبرت عن مخاوفها من أن الحرمين فاسدة إلا أن آخرين احتجوا بأن المعلومات الاستخبارية التي تم تقديمها إلى صناع القرار إما أنها كانت تتحدث عن جمع الأموال للأصولية وليس للإرهاب أو إنها كانت تفتقر إلى الدقة في عام 2002 قال السعوديون مراراً بأنهم مستعدون للعمل ضد مؤسسة الحرمين إذا قامت حكومة الولايات المتحدة بتزويدهم بمعلومات وعلى سبيل المثال في أكتوبر عام 2002 قال ولي العهد السعودي بأنه على استعداد للتصرف على أساس أي معلومات وتقدمها للولايات المتحدة بالرغم من أن آلية التعامل بالمثل كانت سائدة إلا أن حكومة الولايات المتحدة لم تطلع السعوديين على المعلومات الاستخبارية التي كانوا يعتقدون أنها موجودة لدينا (فقرة 5).

ه- واضح من التقرير أن مؤسسة الحرمين الخيرية كانت وفروعها في الخارج وموظفيها تحت مجهر أعتى مراقبة استخبارية ، مراقبة تملك أعظم قدرات التجسس والتصنت وكشف . الاتصالات ، وذلك منذ عام 1995 ومن يعرف سلوك مؤسسة الحرمين يعرف أن أكثر الانتقادات الموجهة إليها هو في إسرافها في العلانية والظهور وبعدها عن فضيلة أن لا تعرف اليد اليسرى ما تنفق اليمنى في سبيل الخير تحقيقا لإخلاص العمل ، وما كان يدور في أذهان المسئولين فيها قط أن هناك من يهتم بمراقبة أعمالهم حتى يلتزموا الحذر ويتعمدوا الإخفاء، معنى ذلك أن كل أنشطتها كانت مكشوفة. 

وكانت الحكومة الأمريكية دائمة الضغط على السعودية لتقييد جمعياتها الخيرية، وكانت السعودية دائمة المطالبة بتقديم معلومات تبرر استجابتها للضغط، وكانت الحكومة الأمريكية تفشل دائماً في تقديم المعلومات، وعندما تقدم معلومات إما أنها لا تكون دقيقة أو أنها لا تتصل بتمويل الإرهاب.

كان الدافع للحصول عل دليل أو معلومة تتصل بالاتهام بتمويل مؤسسة الحرمين للقاعدة دافعاً قوياً وملحاً.

وكانت القدرة على الوصول للدليل أو المعلومة ( لو كانت موجودة ) قدرة غير محدودة، واستخدمت هذه القدرات في البحث والتحري مدة طويلة من الزمن.

والنتيجة عدم الوصول إلى شيء، هل يوجد عاقل يشك في أن وضعاً بهذا الوصف لا يدل دلالة قاطعة على كذب الاتهام بل وعلى علم من وجه الاتهام بأنه كاذب.

و- أوضح التقرير أنه ( في 17 يناير 2002 طلبت الحكومة الأمريكية من السعوديين تجميد الحسابات المصرفية لثمانية من الهيئات والأفراد السعوديين بما فيهم المكاتب الفرعية لمؤسسة الحرمين في كل من البوسنة والصومال ) .

وذكر التقرير أن السعودية بعد تردد وافقت في 11 مارس على المشاركة في الإجراء الذي اتخذته الولايات المتحدة إغلاق مكتبي البوسنة والصومال ولكنها لم تستجب لطلب الحكومة الأمريكية في البقية ، واتخذت الحكومة الأمريكية الإجراء بمفردها .

واضح أن السعودية استجابت بالنسبة لمكتبي المؤسسة تنفيسا للضغط وليس عن اقتناع بوجود مبرر للإجراء ولهذا ورد في التقرير أنه ( حتى بعد أن قامت الحكومة السعودية بتجميد أرصدة مكتب مؤسسة الحرمين في البوسنة في مارس 2002 نفي أحد المسئولين السعوديين الكبار أمام الصحافة تورط مؤسسة الحرمين في سراييفو في أعمال محظورة، ولم تستجب السعودية للضغط الأمريكي بالنسبة لبقية الثمانية لأن ضميرها لم يرتح لإيقاع عقاب بدون ذنب يقوم عليه دليل .

والتي لم يذكر التقرير أنها تتضمن Nonpaper وحتى بعد تقديم الحكومة الأمريكية للسعودية الورقة معلومات تتصل بتمويل الإرهاب، وإنما تضمنت ضغوطا باتخاذ قيود على الجمعيات الخيرية، حتى بعد تقديم هذه الورقة لم تقم الحكومة السعودية بأي إجراء ضد المؤسسات الخيرية .

ولم تستجب لاتخاذ قيود على المؤسسات الخيرية ومنها مؤسسة الحرمين الخيرية إلا بعد تفجيرات الرياض في 12 مايو2003 والحوادث المشابهة اللاحقة ، ويدل هذا الأمر بوضوح على أن الإجراءات التي اتخذت بشأن الجمعيات والمؤسسات الخيرية بعد 12 مايو 2003 لم تكن نتيجة تقديم معلومات لم تقدم سابقاً تدل على اشتباه بعلاقة الجمعيات الخيرية السعودية بالقاعدة وإنما هي إجراءات احتياطية نتيجة رد الفعل للحالة النفسية والذهنية التي سببتها الحوادث المحلية المروعة .

ز- لاحظ عدد من المحامين الأمريكيين أن تقرير لجنة الحادي عشر من سبتمبر كتب بلغة دبلوماسية ذلك، Compromise لا بلغة قانونية، بمعني أن الأوصاف والأحكام فيه صيغت بصيغة تصالحية أن اللجنة كانت مؤلفة من فريقين ، فريق متحيز لوجهة نظر الحكومة، وفريق محايد (بالدرجة من الحياد للشخص الأمريكي الخاضع لإعلام طاغ متحيز) كان الفريق الأول مهتما بصياغة التقرير بما يوافق اتجاه الحكومة ولم يستطع الفريق الثاني قبول أحكام أو أوصاف لا تستند إلى أسس منطقيه مقبولة وكان من المهم خروج التقرير بصيغة يتفق عليها أعضاء اللجنة، فكانت النتيجة صيغة تصالحية . وللقراءة الصحيحة للتقرير لابد للقاري من أن يضع في ذهنه هذه الملاحظة.

وبالرغم من هذه الروح التي كتب بها التقرير إلا أنا رأينا النتيجة التي ينتهي إليها القارئ الحصيف فيما يتعلق باتهام مؤسسة الحرمين الخيرية بتمويل منظمة القاعدة. لماذا؟ إذا كان اتهام مؤسسة الحرمين الخيرية بتمويل منظمة القاعدة غير صحيح، وكانت الإدارة الأمريكية تعلم ذلك فما هو الدافع إذاً للحملة على هذه المؤسسة والمؤسسات الخيرية السعودية الأخرى وسعى الإدارة الأمريكية المحموم لتحجيم نشاطها خارج المملكة ؟ في البداية نلاحظ أنه تكرر في شهادات رجال الإدارة الأمريكية أمام لجان الكونجرس ضد الجمعيات الخيرية الإشارة إلى حقيقة منطقية، وهو أن تمويل الإرهاب كما أنه دم الحياة بالنسبة للإرهابي فهو سمه الزعاف وهو عقب أخيل بالنسبة له حسبما ورد في تعبيرات الشهود.

بمعنى أنه عن طريق تتبع مسيرة المال حتى يصل إلى الإرهابي يكون قد أمكن التعرف عليه والتعرف على ما يكون لديه من خطط لإجهاضها قبل التنفيذ.

أي أن وجود مؤسسة تتهم بتمويل الإرهاب في دائرة الضوء وتحت مجهر القدرات الاستخبارية المذهلة هو أجدى وسيلة لمكافحة الإرهاب والتعرف على الإرهابيين وخططهم إذ سوف تكون في هذه الحالة مصيدة فعالة للإيقاع بالإرهابيين.

ولكننا نلاحظ أن الإدارة الأمريكية تبذل الجهود لمنع التحويلات من الجمعيات الخيرية لفروعها في الخارج حتى لو كان التحويل يجري من خلال البنوك الرسمية وحتى لو وثقت الحكومة الأمريكية من توافر كل ضمانات الشفافية في مسيرة تمويل الجمعيات الخيرية حتى ينتهي إلى المستفيد.

يدل ما سبق على أنه لو كان لدى حكومة الولايات المتحدة اشتباه جدي في علاقة المؤسسة الخيرية السعودية بتمويل الإرهاب لكان من الطبيعي أن تتركها عاملة لكي يخدمها تتبع سير المال لكشف الإرهابيين وخططهم.

وإذا لم يكن الهدف الحقيقي هو الهدف المعلن أي وقف تمويل الإرهاب المعلن فما هو هدف الحكومة الأمريكية من تحجيم نشاط الجمعيات الخيرية بإجراءات تتعارض مع الحريات العامة وحقوق الإنسان.

ما هو هذا الهدف الذي يبرر حرمان الألوف من الأيتام من الرعاية، والقضاء على كل الأعمال الإنسانية من المستشفيات الخيرية والمدارس ومشاريع المنح التعليمية للطلاب، ومشاريع المياه الصالحة للشرب (مثل ما وصف التقرير أعمال مؤسسة الحرمين الخيرية)؟ ما هو الهدف الذي يبرر أن تضحي الحكومة الأمريكية بسمعتها لدى الناس وتستجلب كراهيتهم لها؟ ربما نجد الجواب في عبارة وردت في التقرير حيث جاء بهذا النص (أن آخرين احتجوا بأن المعلومات الاستخبارية عن مؤسسة الحرمين ليست كافيه لاتخاذ إجراء ضدها، لأن المعلومات الاستخبارية التي تم تقديمها إلى صناع القرار أما إنها كانت تتحدث عن جمع الأموال لنشر الأصولية وليس للإرهاب ، أو إنها كانت تفتقر إلى الدقة) أي أن الهدف هو منع الجمعيات الخيرية من النشاط الدعوي .

ويشهد لهذا الاستنتاج أن الإدارة الأمريكية ظلت تبذل الجهود بما في ذلك حشد الشهود أمام لجان الكونجرس (اقرأ مجموعه الشهادات أمام الشؤون الحكومية في 31 يوليو 2003 م) لإقناع الكونجرس بخطر النشاط الدعوي السعودي بزعم أن الوهابية يختلف تفسيرها عن التفسيرات الأخرى عند المسلمين الآخرين فيما يتعلق بعلاقة المسلم بغير المسلم، يعني أن الإدارة الأمريكية كانت تحاول إقناع الكونجرس أن الاتجاه الديني السائد في السعودية يتميز عن غيره من الاتجاهات الإسلامية بكراهية غير المسلم وعداوته وبالتالي تشجيع العدوان عليه.

ولكن الإدارة الأمريكية تعرف أن هذا الزعم ليسله أساس، ونبني افتراض هذه المعرفة على أمرين :

الأول : نظري منطقي ، إذ أنه فيما يتعلق بتصور علاقة المسلم بغير المسلم لا يختلف تصور السعوديين عن غيرهم من المسلمين .

وفي خلال مائتي سنة تعرضت الوهابية – حسب التعبير الشائع عن دعوة الشيخ ابن عبد الوهاب – إلى انتقادات لا حصر لها بدوافع مختلفة ، وفي كل الأدبيات المكتوبة عنها من قبل المسلمين وغير المسلمين ، ذكرت الفروق التي تميزها عن ما يذهب إليه كثير من المسلمين المعاصرين، ولكن لم يحدث قط أن وصفت بأن لها – في موضوع علاقة المسلم بغير المسلم – تصوراً يختلف عن تصور المسلمين الآخرين .

الثاني : عملي واقعي ، إذ أنه قبل حادث الحادي عشر من سبتمبر وخلال سبعين سنة سابقة ، كان حضور الولايات المتحدة في المملكة العربية السعودية ممثلاً في شركاتها وخبرائها وموظفيها وسواحها وغيرهم أكثر من حضور أي بلد غربي آخر، ومع ذلك فلا توجد حالة واحدة يثبت فيها أن أمريكياً تعرض في المملكة للتمييز ضده بسبب أنه مسيحي سواء فيما يتعلق بتطبيق النظام ، أو عقود العمل ، أو حتى معاملة الفرد العادي .

وبالمثل فإن نسبة كبيرة من الوافدين إلى المملكة ( ربما أكثر من النصف ) غير مسلمين، ومع ذلك فلا توجد حالة واحدة يثبت فيها أنه – فيما يتعلق بتطبيق القانون، أو عقود العمل، أو حتى معاملة الشخص العادي – قد جرى التمييز بين الهندي المسلم والهندي الهندوكي أو بين الفلبيني المسلم والفلبيني النصراني، أو بين التايلندي المسلم والتايلندي البوذي .

إن الاستثناء الوحيد هو منع غير المسلم من دخول الحرمين ، ولكن هذا الحكم غير خاصب السعوديين وإنما يعتقده كل المسلمون، وكذلك عدم وجود معابد لغير المسلمين (على اختلاف طوائفهم) ولكن هذا أيضاً حكم يعتقده كل المسلمين بالنسبة لجزيرة العرب – عدا اليمن – والمسلمون الأوائل وفي أزهي عصور الإسلام ، وأنقاها تطبيقاً له ضربوا المثل في التسامح الديني وفي احترام الحريات الدنيوية ولم يروا ما يمنع من وجود معابد لغير المسلمين في كل الأرض التي حكموها من الصين إلى المغرب ، ولكنهم استثنوا الجزيرة العربية فلم يسمحوا فيها بوجود معابد لغير المسلمين، إن الاستثناء كما يقولون يثبت القاعدة، بمعنى أن تسامحهم تجاه الأديان الأخرى، وتجاه وجود معابدها على كل الأرض التي حكموها أنصع دليل على أن استثناء الجزيرة العربية لم يكن نتيجة لعدم التسامح الديني، أو عدم الاعتراف بحرية الأديان وإنما لمبررات أخرى.

وعلى كل ففيما يتعلق بالمملكة العربية السعودية في الوقت الحاضر، لا يوجد مواطن واحد أو مقيم إقامة دائمة غير مسلم، والوافدون يقدمون على أن يقيموا إقامة مؤقتة، سواء كانوا رجال أعمال أو عمالاً، أو سواحاً وهم لا يتوقعون سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين أن تكون لهم معابد خاصة تبنى على أساس دائم، وقد قدموا إلى المملكة العربية السعودية ملتزمين بقوانينها معترفين بأنه ليس من حقهم أن يطالبوا ببناء معابد ثابتة لوافدين مؤقتي الإقامة.

وبعد فإن المسلمين في المملكة العربية السعودية كغيرهم من المسلمين في أنحاء العالم يؤمنون بما جاء في القرآن { لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ }ِ البقرة (256) { أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} يونس (99) {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ}ٍ سورة ق (45) { قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ} سبأ (25).

ولو افترض أن من نشاط الجمعيات الخيرية السعودية نشر الاتجاه الإسلامي السائد في السعودية، وحتى لو وصف هذه الاتجاه بأنه أصولي، فإن منع هذا النشاط بالقوة والضغط يتنافى مع ما ورد في تقرير وزارة الخارجية الأمريكية الصادر في 15 سبتمبر 2004 بعنوان ( تقرير الحرية الدينية في العالم).

وتضمن هذا التقرير (أن التقصير في حماية حرية الأديان ينمي التطرف ويقود إلى العنف وعدم الاستقرار، وأن استراتيجية إدارة الأمن القومي في الولايات المتحدة تعلن أنها سوف تقوم بجهود خاصة لتعزيز حرية الدين والضمير والدفاع عنه ضد تعديات الحكومة القمعية)، وينعى التقرير على بعض البلدان أنها تسيء إلى بعض الأديان عن طريق الربط بينها وبين الملل المذهبية الخطرة .

ويشجب الأنظمة التوت الية والاستبدادية بأنها تسعى إلى مراقبة الفكر الديني وتنظر إلى بعض الأديان كأعداء للدولة بسبب محتواها الديني أو تنظر إليها كتهديد لايدلوجيا الدولة.

كما يشجب التقرير تقييد السلطات استيراد وتوزيع المواد الدينية وينسب الاتهام بذلك إلى الصين، والمملكة العربية السعودية، وتركمانستان، وبنغلاديش، ونيجيريا، وأذربيجان، وإسرائيل، وبلجيكا.

ومع أن التقرير يعترف بأن الحكومة الفيدرالية في نيجيريا تحترم الحرية الدينية، إلا أنه يحاسبها بدعوى أن هناك حالات وضعت فيها قيود على النشاط الديني بحجة التعامل مع الهواجس الأمنية والسلامة العامة وأن العديد من الولايات الشمالية لنيجيريا تمنع التبشير العام تجنباً للعنف الاثني الديني.

ومع أن التقرير يعترف بأن غير المسلمين في ماليزيا لا تلحقهم أضرار في ممارسة شعائرهم الدينية إلا أنه يتهم ماليزيا بأنها تواصل مراقبة نشاط بعض الأقليات لأنها قلقة من أن التعاليم الدينية المنحرفة قد تسبب الانقسامات في صفوف المسلمين.

ومن الطريف أن التقرير يتهم أوزبكستان بتقييد الحرية الدينية لأنها زجت في السجن مائتي شخص اعتبرت أكثرهم من حزب التحرير أو من المجموعات الأخرى المسماة وهابية.

وانتقد التقرير اذربيجان بأنه ظهرت في بعض الصحف في البلاد مقالات تنقد الوهابية والإرساليات المسيحية.

وأخيراً يكفي الشخص أن يطلع على تصريحات المسؤولين في الولايات المتحدة ، وفي الغرب، وكتابات الكتاب.

وما تفيض به وسائل الإعلام ليدرك أن الهم الحقيقي – في محاربة الجمعيات الخيرية الإسلامية – ليس الإرهاب، ولا حتى التشدد الإسلامي أو الأصولية الإسلامية، وإنما الهم الحقيقي وقف مد الإسلام، وبالنسبة للعالم الإسلامي فالقضاء على كل إسلام يتضمن روح الدفاع عن نفسه بفكرة الجهاد.

ولكن ما هي فرص حكومة الولايات المتحدة في تحقيق تراجع الإسلام ، أو على الأقل في وقف سيره، أو في محاربة الجهاد.

: Beyond Peace لقد اعترف الرئيس الأمريكي الأسبق نيكسون في كتابه (أن العلمانية في الغرب والعلمانية في العالم الإسلامي لا تستطيع أن تغالب الإسلام).

وإذا كان الأمر كذلك مع العلمانية ( اللادينيه ) فإن الأديان المعاصرة الأخرى لا تستطيع أن تغالب الإسلام، وذلك بسبب أن الإسلام يتميز عليها كلها بأمرين:

(أ) موثوقية المصدر، فالإسلام هو الدين الوحيد الذي لم يجر على مصدره القرآن أي تغيير أو تعديل منذ أوحي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

(ب) أنه الدين الوحيد، الذي يعترف المنصفون بأن مصدره القرآن منذ وجوده حتى الآن لم يتضمن أي تقرير يخالف أي حقيقة علمية، ( يراجع على سبيل المثال كتاب مورس يوكاي “ا لقرآن والإنجيل والعلم”.

أما الجهاد فسيبقي حياً في قلب كل مسلم ما بقي القرآن {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} البقرة ( 190 ) ، {إِن الّله اشْتَرى مِن الْمؤْمِنِين إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ}  التوبة (111) .

ولا بد أن القارئ لاحظ أن تقرير لجنة الحادي عشر المقدم للكونجرس، والشهادات المقدمة أمام لجانه حرصت على إحاطة الكونجرس بالإجراءات التي اتخذت ضد المؤسسات الخيرية السعودية بما فيها منعها من تحويل الأموال للخارج من خلال البنوك، والدلالة المزعجة في هذا الأمر لكل محب للحرية والعدل أن محرري التقرير والشهود مطمئنين إلى أن الكونجرس سوف يتلقى هذه الأخبار بالقبول، أي أن المجلس الذي يمثل الشعب الأمريكي والذي لا يتسع ضميره لغير الحرية والعدل وحقوق الإنسان يتسع لانتهاك هذه القيم الكونية إذا كان انتهاكا يتعلق بالإسلام.

في الختام كنت أشعر بدافع يدفعني إلى اقتباس كلمة الرئيس الأمريكي بوش وردت في خطابه للشعب الأمريكي عشية الحادي عشر من سبتمبر 2001 م ( نحن منارة الحرية الأسطع نوراً والأعظم إشعاعاً ولن يستطيع أحد أن يطفيء نورها ) .

ولكن رأيت أن كلام الله أصدق وأبلغ حيث يقول { يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ } الصف ( 8).

للمزيد من المعلومات وعن رسائل المركز انظر موقع مركز القطاع الثالث.

د. محمد بن عبدالله السلومي

المشرف العام على مركز القطاع الثالث للاستشارت والدراسات الاجتماعية (قطاع)

[email protected]

 

تصفح الرسالة pdf

لا توجد تعليقات

بريدك الالكتروني لن يتم نشره


الاشتراك في

القائمة البريدية

اكتب بريدك الالكتروني واضغط اشتراك ليصلك كل جديد المركز

تصميم وتطوير SM4IT