Skip to main content

مؤهلات الحضارة والفردوس المطلوب في كتابات ورؤى المفكر الشيخ صالح الحصين

2 ربيع الأول 1445هـ

كتب المفكر الشيخ صالح بن عبدالرحمن الحصين مقالاً علمياً تحليلياً عن الحضارة والتقدم يضع القارئ فيه موضع الحَكَم، حينما يُعدِّد الحضارات المتنوعة التي ربما تُعدُّ بعضها حضارات منافسة لحضارة المسلمين في بعض الجوانب؛ حيث سؤال الحضارة يشغل حيزاً كبيراً من كتاباته، ولهذا فهو يطرح كعادته التساؤل الكبير عن أي الحضارات أقرب إلى التقدم والتحضر؟ وهو بهذا قد وَضَعَ للقارئ معايير للتحكيم أو الحوكمة بمقاييس ومؤهلات للمقارنة، بل إنه حدَّد (خمسة مؤهلات) لوصف أي حضارة أو الحكم لها بأنها متقدمة على غيرها، أو ليست بذاك، وبعد سرده لهذه المعايير أو المؤهلات يقارن بين الحضارة الغربية وبين الإسلامية وفق هذه المعايير ليصل بالقارئ إلى حقيقة الحضارة والتقدم عند أي أمة من الأمم أو الدول من خلال تطبيق المعايير، بعيداً عن العاطفة تجاه الإسلام، أو الانبهار الخاطئ والانطباعات المسبقة عن الغرب، ولأن التنافس الثقافي في قيادة العالم قائم بين أبرز هذه الحضارات، فقد كتب في المقارنات، ومما قال: «لو استحضَرْنا بعضَ هذه الحضارات، مثل: الحضارة الهيلينية، والفرعونية، والرومانية، والفارسية، والحديثة المعاصرة، ولو سألَ القارئُ نفسَه: أي هذه الحضارات هي الحضارة المثالية؟ فإن لم يكن أي منها كذلك، فأيها أقرب إلى المثالية؟ فإن لم تكن، فأيها أقرب إلى التقدم والتحضر؟» [مقال تعليق على الحضارة والتقدم]. ولأن المقارنة والمفاضلة بين الحضارات يجب أن لا تخضع للانطباعات الشخصية، فإن وجود معايير ومقاييس للحكم على المثالية منها هو المهم، وعن هذا قال: «من الصعب أن يحكُمَ قارئٌ على أيِّ حضارة بأيٍّ من هذه الأحكام بدون أن يكون لديه (مقياس) Yardstick يُقارِن ويحكُمُ على أساسِه، ولا شكّ أن الناس سوف يَختلِفون في تصوُّر هذا المقياس، ولكن لو افترضنا أننا اختَرْنا المقياسَ الآتي، بمعنى أنّ الحضارةَ المثالية هي التي تتوفر لها المؤهلات الآتية:

‌أ. أن تكون حضارةً إنسانية في مقاصدِها وقِيَمها وتطبيقاتها.
ب. وأن تكون حضارةً يشترِك في وجودها وتجديدها السوادُ الأعظم من المجتمع، أي أن تكون حضارةً شعبية، وليست حضارةَ أباطرة، أو فراعنة، أو قُوًى سياسية، أو عسكرية.
‌ج. وأن يكون المجتمعُ قادرًا على الاستفادة الكاملة من الإمكانيات المتاحة.
‌د. وأن يكون متطلِّعًا لـخلق إمكانيات جديدة، وقادراً على تحقيق ذلك.
هـ. وأن تتوفَّر للحضارة القدرة على مقاومة عوامل السقوط، أي أن تكون حضارةً متجددة» [المرجع السابق].

والحصين قد يكون أراد بهذه الشروط الخمسة من هذه المؤهلات خاصة الشرط الأول بأنه لا يمكن تحقيق شيءٍ منها إلا بدين سماوي، وهو المفقود في الحضارة المادية المعاصرة؛ حيث الأديان السماوية -برغم التحريف إلا أنها- تجعل من المقاصد والتطبيقات في عموم الحياة حياةٍ إنسانيةً نافعةً إلى حدٍّ مُعين، وعلى ضوء هذا يمكن الحوكمة لأي حضارة، ويمكن الحصول على أنسب النتائج.

وإضافةً إلى ما سبق من شروط فقد أورد الحصين ما يراه من خصائص أسهمت في بناء الحضارة الإسلامية، وربما تُعدُّ من المعايير المهمة في الحوكمة لأي حضارة، وهذه الخصائص في الإسلام وُلدت من الدوافع والموجهات والغايات، وقد حددها الحصين بسبع خصائص، وهي هنا باختصار شديد: «الإسلام على خلاف الأديان والثقافات الأخرى يتميز ببقاء (نسخته الأصلية) وهي دائماً مُلْهِمَة للمصلحين والمجددين في تاريخ الإسلام، كما أنه خلاف الأديان الأخرى حيث بَقيت شخصية النبي الذي جاء به (معروفة بالتفاصيل)، والإسلام يعتمد على أساس التقوى كأساس أخلاقي في التعامل مع النفس والغير، كما أن الإسلام يختلف عن الأديان الأخرى بأنه منهج للحياة في جميع نواحيها، إضافةً إلى أن الإسلام يتميز بخاصية مفهوم العبادة الواسع، واعتبار الإسلام (العدل والصدق) قيمة مطلقة، وخاصية سابعة أخيرة هي المساحة الواسعة التي اعطاها القرآن للحث على إعْمال العقل والتفكير وطلب العلم والجد في الوصول للحقيقة»[المرجع السابق]، وبهذه المؤهلات والخصائص يمكن الحصول على الفردوس الحضاري المطلوب.

والحصين وهو يكتب التشخيص عن الغرب يطرح ما يراه أهمية التحرر من هذا الرق الحضاري، لا سيما أنه يرى أهمية الخلاص من عبودية ورقِّ هذه الحضارة المعاصرة وهيمنتها على حياة البشرية! وما في هذه الهيمنة من البؤس والشقاء وتخلف القِيَم! وإخفاقها في تحقيق السعادة والرحمة للعالمين، وقصور هذه الحضارة عن عطاء الرحمة والعدالة، مما هو واضح لديه من نقولات وآراء عن الحضارة المعاصرة.

الفردوس المفقود والخلاص:

حول شيء من تشخيص واقع الانحطاط والقذارة الغربية -حسب تعبير الحصين-، وعن الثقة بالمنقذ للبشرية والمانح للحرية الحقة كَرَّر التأكيد على أهمية الأخذ بالإسلام وَقِيَمه، ومن ذلك قوله في ورقته عن الرق الاجتماعي: «نحن نعاني من قذارةٍ ثقافيةٍ مروعةٍ -حقيقةً- بل هي أزمة ثقافية لم يتخلص منها المثقَّفون المسلمون، متديِّنين كانوا أو غير متديِّنين، وسواءً كانوا من طلاب العلم الشرعي أو غيرهم؟! إذاً ما المَخَرج؟! كيف نتحرر من رِقِّ العبودية؟! كيف نتحرر من الاستعباد الفكري؛ حتى ننظر إلى الأمور نظرةً عقلانيةً محايدةً؟! هذا -في الواقع- من أصعب الأشياء؛ لأن الناس ألِفوه وصار موجوداً في اللاشعور، فصار من الصعوبة بمكانٍ أن يستطيعوا التخلص منه، ولكن قد يكون من الوسائل أن يدرِّب الإنسانُ نفسه، ويحاول أن يَحكُم هذه التصورات بمعيارٍ موضوعيٍّ، معيارٍ يتيح له الحكم على مدى سلامة التصوُّر» [المجموعة الكاملة لأعمال صالح الحصين، ج3/ص55]، فهل من طريق للخلاص أو الحرية من الرق الحضاري المادي المعاصر؟!

يرى الحصين أن الحل والخلاص والتحرر من هذا الرِقِّ الثقافي والمعيشة الضنك ممكن، وذلك بقوله: «قضايانا كلها إذاً -بما فيها قضايا المرأة- لا يمكن أن نصل إلى الحكم الصحيح فيها إلا إذا تحرّرنا من الرِّق الفكري والعبودية الفكرية، وتخلصنا من غلبة التصورات الثقافيَّة الغربيَّة، ونظرنا إلى الأشياء نظرةً عقلانيةً حيادية، نقيس الأمور فيها بمعيار المنفعة العائدة على الإنسان، وما يُقرِّبه إلى الحياة الطيبة وإلى السعادة كما يقال وما يُبعده عن المعيشة الضنك» [المرجع السابق، ج3/ص58-59].
والحصين يرى بقوة أن العَالَم بأكمله بحاجة إلى البديل الحضاري الأصيل بعد التحرر من الرق الثقافي المعاصر، وذلك بغرض رحمته وإنقاذه من زيف الحضارة المعاصرة، التي تُقدِّس العلم التجريبي على حساب إنسانية الإنسان، وقد أكد على هذا في كلمته في حفل التكريم عند فوزه بجائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام عام 1426ه حينما استهل حديثه بقول الله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، ثم قال: «ربما لم تكن البشرية في حاجة لاعتناق هذه المبادئ مثل حاجتها الآن، وهي تمر بأخطر أزمة عرفها التاريخ، أزمة تهدد بالفناء الشامل… أزمة خَلَقَها اجتماع مزيج مشؤوم من قوة الدمار، وإرادة الإنسان الطليقة من القيد الأخلاقي والقانوني» [المرجع السابق، ج3/ص523].

ويؤكد الحصين مُكرراً على أن المخْرَج من أزمة الحضارة ورِقِّها هو في الحرية الحقيقية القائمة على الإيمان بالقيم الإنسانية النابعة من الدين، ويستدل على هذا بأقوال مفكرين غربيين، وذلك بقوله: «يرى ألبرت اينشتاين أن المخرَجَ هو في الإيمان بالقيم الإنسانية، أو بالعودة إلى نوع من الدين، ويقول: (إن الشخص المستنير من الناحية الدينية يبدو لي كأنه رجلٌ حرَّر نفسه -على قدر ما يستطيع- من قيود أنانيته ورغباته الفردية؛ وشغل نفسه بالأفكار والمشاعر والآمال التي يتعلق بها لقيمتها التي تسمو على ذاته)» [المرجع السابق، ج3/ص64].
ونقل الحصين عن شخصية غربية أخرى من رجال الفكر ما يؤكد الأصيل الحضاري للبشرية جميعاً حيث فيه الخلاص، خاصةً ما يُحررها من رق نفسها وشهواتها، لتنتقل بهذا من الفردوس المفقود إلى الفردوس الموجود، وهو ما كتبه المؤرخ الروائي الإنجليزي المشهور H.Wells .G حول الحرية الحقيقية وهذا الفردوس الموجود في الإسلام والمفقود في غيره: «فردوس لا يحتلُّ فيه القديسون والقساوسة والملوك المكان الأعلى، وإنما تتحقق فيه المساواة بين أتباع الدين؛ بدون رمزية غامضة، أو طقوس ظلامية، أو ترانيم قسيسين، قدَّمَ محمد تلك النُظم الأخلاقية إلى قلوب البشرية، الإسلام أوجد مجتمعاً تحرر من القسوة والاضطهاد الاجتماعي إلى درجة لم يبلغها أي مجتمع من قبل» [المرجع السابق، ج3/ص64-65].

وبعد هذه القراءات المتنوعة ربما يتساءل القارئ عن ما نَقَله الحُصين وما كَتَبه حول حقيقة الحضارة من نقولات وأراء، وعن الحضارة المعاصرة وحروبها، والاقتصاد فيها، والعلاقات الدولية القائمة على القوة دون عدالة، وعن أهمية التحرر من هذا الرق الثقافي لحضارة أصبحت عاجزة عن الإجابات الشاملة لتساؤلات الإنسان الغربي ذاته، فضلاً عن غيره من بني الإنسان.

والتساؤل الذي يطرح نفسه هل هذا البديل الحضاري السابق ذكره ممكن أن تتحقق به سُنن الاستبدال الكونية القدرية؟ لا سيما أن الحصين أشار هنا وفي مواضع كثيرة من كُتبه وكتاباته إلى معايير ومقاييس أي الحضارات يُمكن أن تُقدِّم السعادة والسلام والعدالة والاستقرار والحرية للبشرية.

وللإجابة عن هذه التساؤلات فإن الحصين في مواضع كثيرة بعدما أوضح الكثير من التشخيص كرَّر عن البديل المفيد الأصيل للإنسان، ومن ذلك قوله عند تفسير سورة العصر: «إننا من المفترض ألا ننظر إلى الحياة بوجه من وجوهها وظاهرها فقط، وإنما ننظر إليها في مجملها وحقيقتها، ومقدار ما تعطيه للإنسانية من سعادة وسلام واستقرار، وما تعطيه كذلك من حريات للبشر فيما أباح الله؛ فهذه المقاييس الحقيقية للسعادة، والحقيقة أن حقائق القرآن تتضامن، ويشهد بعضها لبعض في هذه الأمور» [المرجع السابق، ج4/ص458].

التحول والمقاييس الحضارية:

بهذه الأقوال المتعددة وأمثالها كثير تتضح خاصية الجاذبية الحضارية في الدين الإسلامي في البلاد المفتوحة في سابق التاريخ وغير المفتوحة من دول الغزو والاحتلال المعاصر، وعن هذه الخاصية الحضارية التي تتكرر في السابق واللاحق من التاريخ قال الحصين: «وقد يكون ما هو أكثر موجب للحيرة سرعة تحول الشعوب المفتوحة للإسلام، في الحقيقة أنّ الإسلام انتشر ليس بسبَب الفتح العسكريّ، كما هي الفكرةُ الشائعة، إنما كان الإسلام بقِيَمه هو الذي مكَّن للانتصار السياسيّ أن يتمّ بهذه الصورة التي لم يوجَد لها مثالٌ في التاريخ» [مقال تعليق على الحضارة والتقدم].

والحقيقة التي لا مِراء فيها أن انتشار الإسلام الكبير وفوزه على الأيديولوجيات المعاصرة يُعدُّ السمة الحضارية الكبرى في التفوق الحضاري، لا سيما أن هذا حدث بعد عصور الاحتلال، بل داخل دول الاحتلال نفسها، وهو ما يؤكد بصورةٍ أوضح من السابق حقيقة الفوز للإسلام والانتشار له غير المسبوق تقريباً حينما حصل هذا بالفعل في هذه العصور المتأخرة، بل إن هذا حدث في عصر هيمنة الغرب وقوته! وهو ما يؤكد أن وجود الإسلام في أوروبا وأمريكا، خاصةً أواخر القرن العشرين وأوائل القرن الواحد والعشرين الميلادي يَدحضُ هذه الفِرْية عن الإسلام بأنه انتشر بالسيف أو بالقوة العسكرية! حيث انتشر وانتصر بحضاريته وأخلاقياته، ومن أبرزها عقيدته (الوحدانية) وما فيها من تشريعات وقِيَم أخلاقية، وأكثر من هذا أن هذا الانتصار والانتشار حدث في عصور قوة مناوئيه وأعدائه، فأصبح أول وأكبر ديانةٍ سماوية في الانتشار والانتصار، وحصل هذا الانتشار والتمدد العالمي دون استراتيجيات من معتنقيه وأتباعه لنشره، بل إن كثيراً من الاستراتيجيات مُسخَّرة لدى خصومه لإيقاف مده وانتشاره، وعن هذا الانتصار وردت أقوال وتصريحات وتقارير رسمية غربية [مجلة البيان: مستقبل الإسلام بين التخويف منه والتصالح معه!]، كما أن اعتناق هذا الدين في السابق واللاحق جاء دون إكراه أو سلطة، وإنما بجاذبيته الذاتية من خلال عقيدته وقِيَمه، وهو ما يُعدُّ أبرز دليل قوي على حضارية الإسلام وتَفَوِّقه الأخلاقي وتقدمه المدني، بل ومنافسته للحضارات الأخرى.

والحصين وهو ينقد جذور هذه الحضارة الغربية وقشورها يُوضح عن أبرز المؤهلات الحضارية للأمم وعن الفردوس المطلوب بين المفقود والموجود، وهو يرى أنه لا بد من النظر إلى المستقبل بتفاؤل كبير، ومن ذلك قوله متفائلا:ً «لقد وعد الله، ووعده الصادق وهو الغالب على أمره، بأن المستقبل لهذا الدين، وأنه سوف يظهره على الدين كله ولو كره الكافرون، وأن هذا الدين سوف يدخل كل بيت بعز عزيز وذل ذليل، وهذه الحقيقة إذا عرفها المسلم كانت عاصمة له من الإحباط والخوف من الفشل أو التأثر بالإخفاقات الآنية، ودافعة له لأن تنشط همته ليكون من أدوات تحقيق الوعد الصادق والقدر المقدور» [المجموعة الكاملة لأعمال صالح الحصين، ج3/ص212] ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف:21).

 

د. محمد بن عبدالله السلومي
باحث في الدراسات التاريخية ودراسات العمل الخيري والقطاع الثالث
[email protected]

المصدر: (صحيفة مكة)

لا توجد تعليقات

بريدك الالكتروني لن يتم نشره


الاشتراك في

القائمة البريدية

اكتب بريدك الالكتروني واضغط اشتراك ليصلك كل جديد المركز

تصميم وتطوير SM4IT