Skip to main content

أولويات العمل التنموي الإسلامي: رؤية استراتيجية

(تصفح PDF نسخة الجوال)
(تصفح PDF نسخة الكمبيوتر)

يرتكز العمل الخيري الإسلامي على الرحمة والتكافل، غير أن اتساع الحاجات ومحدودية الموارد يفرضان إعادة النظر في أولويات العطاء وطرائق توجيهه، فليست جميع المناطق متساوية في حجم تأثيرها الاستراتيجي أو في انعكاس استقرارها واضطرابها على واقع الأمة ومستقبلها. ومن هنا تبرز الحاجة إلى قراءةٍ تُوازِن بين شدة الاحتياج والأثر المتوقع، وتبحث في كيفية توظيف الموارد بما يحقق أكبر قدر من النفع والتنمية والاستقرار.

يُعدّ العمل الخيري التنموي والإغاثي أحد أبرز القيم الإسلامية المؤثرة والفاعلة في الواقع العالمي الإنساني، بل إنه من معززات قيم الإسلام الأخرى؛ إذ يرتكز على مبادئ الرحمة والتكافل والعون والعطاء والأخوَّة والتعاون، ونصرة المستضعفين بمفاهيم الأمة المسلمة، دون تمييز ودون استغلال وأطماع أو جزاء ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان:9].

ير أن هذا العمل التنموي والإغاثي معًا بشموليته واتساع مجالاته وازدياد الحاجة إليه، لا يمكن أن يُمارَس بمعزل عن (فقه الأولويات)، ولا عن قراءة واعية للواقع الجغرافي والسياسي والديني للعالم الإسلامي؛ حيث يمتد العالم الإسلامي بأزماته ونوازله على رقعة واسعة تشمل أجزاء كبيرة من قارتي أفريقيا وآسيا، ولكل منطقة ودولة خصوصياتها واحتياجاتها من العمل التنموي والخيري، خاصةً في جوانب (التعليم والإرشاد والخدمات الصحية والاجتماعية والإغاثات).

ومن هنا تبرز أهمية هذه المقالة عن (الأولويات الجغرافية) للعمل التنموي والخيري الإسلامي العالمي، لا بوصفها إقصاءً لبقاع أخرى، بل باعتبارها تنظيمًا للجهود، وتوجيهًا وترشيدًا للموارد، وتوفيرًا للطاقات نحو المناطق الأكثر استفادة وتأثيرًا في حاضر العالم الإسلامي ومستقبله. وعلى رأس وسط العالم الإسلامي والقلب منه وأطرافه: عموم الجزيرة العربية مع جنوبها وشمالها؛ حيث اليمن، وبلاد الشام (فلسطين وسوريا ولبنان والأردن)، ثم بعدها السودان والعراق ومصر، وهكذا يكون ترتيب الأولويات حسب القُرب والبُعد من قلب العالم الإسلامي ومركزه، وقاعدة (الأقربون أولى بالمعروف) تُعدُّ من القواعد الشرعية.

إن موارد العطاء الخيري الإسلامي أصبحت محدودة -حسب واقعها- والاحتياجات كثيرة وتزداد؛ مما يستدعي توزيع الجهود وترشيدها وفق الأولويات وحسب الجغرافيا، وهو ما يتطلب مراعاة التأثير الاستراتيجي طويل المدى، وتحقيق مطالب الاحتياج الأوْلى والأهم، إضافةً إلى العمل بأسلوب تحقيق التوازن بين الإغاثات العاجلة، والتنمية الاقتصادية المستدامة بالوقفيات والتجارة غير الربحية، خاصةً في مجالات التعليم والصحة والإسكان. والعطاء الخيري من أقوى محركاته في البلدان المعنية: تنشيط التنمية الاقتصادية سابقة الذكر؛ فالعطاء والتنمية الاقتصادية متلازمان. 

الأهمية الاستراتيجية في الأولويات:

يُجمع الباحثون في العلاقات الدولية على أن منطقة وسط العالم الإسلامي تمثل إحدى أكثر مناطق العالم حساسية وتأثيرًا في التوازنات السياسية والاقتصادية والدينية الحالية منها والمستقبلية. وقد حظيت هذه المنطقة -وما تزال- باهتمام سياسي واقتصادي بالغ من القوى الغربية والشرقية، فهي وسط يشرف على أهم الممرات المائية الدولية مثل قناة السويس، ومضيق هرمز، وباب المندب، وأي اضطراب فيها ينعكس مباشرة على الأمن والسياسة والاقتصاد الدولي، بما فيه قلب العالم الإسلامي المتضرر الأكبر.

وتضم المنطقة أكبر احتياطي عالمي من النفط والغاز والمعادن والثروات الزراعية، والأكثر من هذا والأهم أن هذا المركز والقلب هو الموطن الرئيس للإسلام، والمهد الأساس لانطلاق دعوة الإسلام وحضاريته، فقوة القطاع الخيري والشركات التنموية غير الربحية داخل دول الجزيرة العربية بجنوبها وشمالها يمنح القوة لغيرها، ولأهمية هذا المركز أصبح محورًا دائمًا للصراع والتدخلات الخارجية المباشرة وغير المباشرة عبر التاريخ.

إن الاهتمام الغربي المكثف سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا بصورة خاصةٍ بهذا القلب والوسط؛ يدل دلالة واضحة على مركزية هذه المنطقة ومحوريتها، وهو ما يفرض على الأعمال التنموية والعمل الخيري الإسلامي أن تكون جميعًا حاضرة بقوة، لا من باب المنافسة السياسية، لكن من باب حماية المجتمعات وقوتها، ودعم صمودها الثقافي، والحفاظ على هويتها وتحصينها.

وتتأكد أهمية هذه الأولويات بضرورة مراعاة شدّة الحاجة، وأولويات الجغرافيا، للاعتبارات التالية:

أولاً: يُعدُّ قلب العالم الإسلامي، الذي يمتد من مكة والمدينة -مهد انطلاق الحضارة إلى بيت المقدس ودمشق وبغداد- مركزًا ومهدًا للديانات السماوية، وهي ذات ثقل ديني وحضاري استثنائي في خضم الصراعات التاريخية والمعاصرة. كما أن القدس على سبيل المثال تمثل مركزًا دينيًا للمسلمين يسعى الكيان الإسرائيلي للسيطرة عليه دينيًا وسياسيًا. ولأن هذا القلب يُمثل العمق التاريخي والحضاري للأمة المسلمة، بما فيها بلاد الحرمين الشريفين، فإن أي عمل استراتيجي تنموي أو خيري يُنجز فيها سيُحدث تحولاً ملموسًا وذا أثر إقليمي وعالمي، مما يُعزز القوة التنموية، ويسهم في ترجيح كفة أصحاب الحق الديني والتاريخي في حسم النزاعات.

ثانياً: إن ما حدث لسوريا وغزة بفلسطين واليمن -على سبيل المثال- من حروب وتدمير للإنسان والمكان مما يفوق تصور البشر يستلزم جِدِّية العمل؛ لقد أصبح ما شهدته تلك البلاد من حرقٍ للإنسان والشجر والحجر مبررًا مهمًا آخر للعمل بهذه الاستراتيجية والأولوية، وإن كل هذا مما يتطلب إطلاق (مشروع عالمي) تنموي وخيري على مستوى كل أو معظم دول العالم الإسلامي؛ لإعادة إعمار الإنسان والبنيان، بل إن حجم الكارثة والنازلة يدعو دول الأطراف من العالم الإسلامي كماليزيا وإندونيسيا وباكستان وتركيا ودول المغرب العربي للإسهام الكبير المنظَّم بهذا المشروع بتكامل بين الدول.

ثالثاً: إن حوالي أربعين عامًا من العمل والعطاء الخيري وتأسيس كثير من صور العمل التنموي خاصةً التعليمي الذي انطلق بصورة عامة من السعودية ودول الخليج وبعض الدول الأخرى (شعوبًا وحكومات) إلى معظم دول العالم الإسلامي، حتى شَمِلَ دول أوروبا وأمريكا؛ يُفترض في هذا العُمر من العطاء وشراكة التنمية أنه قام بالتوطين التعليمي والدعوي والخيري والتنموي بكل صوره، ومن المتوقع أن تكون هذه الجهود قد أسهمت في بناء قدر من الاستقلال المؤسسي والاعتماد على الذات، وقد تأسست أعمال ومؤسسات وجمعيات وكيانات تعليمية وخيرية ناجحة في كثير من الدول، وأصبحت نماذج في النضج والعطاء، كما هي إندونيسيا والفلبين وباكستان وبعض الدول الأفريقية، بل وأمريكا وأوروبا قبل ذلك؛ مما يجعل استنساخ هذه الأعمال من قِبَل أهلها أولى وأهم، والاقتصار على الدعم اليسير والدورات الإدارية والدعوية، وتقديم التعليم بكل أنواعه ومراحله عن بعد، وبجميع وسائل التقنية الحديثة (Online) بعد أن تأسست مدارس وقواعد تعليمية يُعتمد عليها وتفي بالغرض وزيادة، إضافةً إلى تقديم الاستشارات الاستراتيجية لتلك الأطراف من العالم.

رابعاً: إن التنافس الحضاري والصراع العالمي على طمس الهويات العقدية وتغيير القيم الأخلاقية، ولا سيما في قلب العالم الإسلامي ومركزه، يمثلان سببًا آخر لتقديم هذه المناطق في سلم الأولويات التنموية والخيرية. فهذه التحديات لا تواجه بالإغاثة العاجلة وحدها، بل تحتاج إلى إعادة نظر من حكومات وشعوب الدول المانحة في خططها وبرامجها، بحيث تتجه نحو دعم التعليم غير الربحي، ومراكز البحوث والتدريب والإرشاد، وبناء المشاريع الاقتصادية والتنموية المستدامة. كما ينبغي أن تُفعّل الشراكات الاقتصادية، والشركات غير الربحية الزراعية والصناعية، والمؤسسات المانحة؛ لتكون روافد ثابتة للعمل الخيري، إلى جانب عطاء المحسنين، والجمعيات الخيرية والهيئات والمنظمات الإسلامية والأممية. ومن هنا تتأكد الحاجة إلى مراجعة الأولويات والاستراتيجيات بصورة مستمرة، وفق معيار الأهم فالمهم، وبنسب مدروسة، حتى يجتمع في العمل الخيري مراعاة أهمية المكان، وشدة الاحتياج، وحجم الأثر المتوقع. وقد أصبح التخطيط الاستراتيجي الشامل لهذه الأولويات ضرورة ملحة للجهات الرسمية والأهلية المعنية على أن تتولى الدراسات المتخصصة تحديد مواقع العمل وأولوياته بصورة أدق.

فقه الأوليات لا فقه الإقصاء:

إن من المهم التأكيد على أن الإسلام دين عالمي، ورسالة الرحمة فيه شاملة للعالمين جميعًا، ومن أولويات الرحمة تبادل منافع العطاء بين شعوب الأمة المسلمة الواحدة، لكن من المهم تقديم الأولويات، وهذا لا يعني إهمال بقية العالم الإسلامي، كما أن من المهم التأكيد على أن الحديث عن الأولويات الجغرافية لا يعني بحال من الأحوال ترك العمل الخيري في أفريقيا، أو إهمال المسلمين في آسيا، أو الأقليات المسلمة في العالم، أو حصر العمل والعطاء الخيري في رقعة جغرافية معيَّنة دون غيرها، بل إن هذا لا يعني نسيان مآسي الفقر والجوع في أفريقيا التي سرق خيراتها المستعمر الأجنبي، ولا يعني تجاهل حاجات الأقليات المسلمة في آسيا وآسيا الوسطى للدعم التعليمي والدعوي؛ فالعمل في هذه المناطق ينبغي ألا يقف، لكن يستمر باستراتيجية التوازنات بين الأولويات، لئلا يكون على حساب المناطق المركزية لقلب العالم الإسلامي التي يتوقف على استقرارها وقوتها جزء كبير من مستقبل عموم الأمة وبيضتها وحضارتها المأمولة.

إن منح قلب العالم الإسلامي -وبخاصة اليمن وسوريا وفلسطين، ثم السودان والعراق ومصر- أولوية وأهمية في سلم الأولويات الجغرافية للتنمية الاقتصادية والعمل الخيري الإسلامي ليس انحيازًا عاطفيًا ولا استجابة ظرفية، بل هو خيار استراتيجي مُؤسَّس على نصوص شرعية واضحة في أهمية هذه البقاع، وعلى معطيات واقعية وجغرافية سياسية، وتتأكد هذه الأهمية والأولوية أكثر لأن بعضها تُعدُّ من أرض الملاحم في آخر الزمان، وبالتالي فإن الإدراك العميق لتأثير هذه المناطق وأثرها في مسار الأمة يجعل منها أول الأولويات؛ فالانتصار الثقافي ثم العسكري مما يُحدِّد حاضرًا ومستقبلاً الدور الحضاري لأمة الإسلام مع غيرها من الأمم والحضارات.

الشام واليمن ومكانتهما التاريخية:

برز الاهتمام الغربي بِرِهانه القوي والكبير على إضعاف وتقسيم الـمُقسم من العالم العربي والإسلامي، ومن ذلك اهتمامه بصورةٍ خاصة بكل من اليمن وبلاد الشام كدائرة أولى بعد المركز والقلب للعالم الإسلامي، حيث اليمن يُشكل العمق العربي والساحة والحديقة الخلفية للجزيرة العربية، وهو بهذا قوة بشرية إسلامية وجغرافية مهمة للعالم الإسلامي، أمَّا بلاد الشام فأهميتها تنبع مما تمثله من عمق تاريخي وديني، لا سيما احتوائها على فلسطين وبيت المقدس، بؤرة الصراع الصليبي اليهودي مع الإسلام وأهله عبر التاريخ؛ ولهذا لم تكن مركزية الشام واليمن مجرد مُعطَى جغرافي أو سياسي، بل جاءت النصوص الشرعية لتؤكد مكانتهما الخاصة في الوعي الإسلامي.

فعن (الشام) وَرَدَت الأحاديث النبوية التي تُبيِّن فضلها ومكانتها، ومن ذلك وصفها بأنها أرض الرباط والإيمان، وأنها أرض الملاحم، حيث تقع فيها أحداث مفصلية في تاريخ الأمة، وقد تكرر الدعاء النبوي بالبركة للشام وأهلها، ومن ذلك ما ورد من أحاديث نبوية، منها على سبيل المثال قول النبي صلى الله عليه وسلم فيها: (اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا) [أخرجه البخاري 1037]. وقوله صلى الله عليه وسلم فيها: (إِذَا فسدَ أهلُ الشامِ فَلا خيرَ فِيكُمْ، لا تزالُ طائفةٌ من أُمتي منصورين، لا يضرُّهم مَنْ خَذَلَهم حَتَّى تقومَ الساعةُ) [أخرجه أحمد:20361، والترمذي:2192].

وقوله صلى الله عليه وسلم (إن فسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغوطة، إلى جانب مدينة يقال لها: دمشق من خير مدائن الشام) [أخرجه أحمد: 21725، وأبو داود:4298]. كما ورد عن عسقلان بفلسطين أنها أرض رباط وجهاد بقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (فعليكم بالجِهادِ، وإنَّ أفضلَ جهادِكم الرِّباطُ، وإنَّ أفضلَ رباطِكم عَسْقلانُ) [سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني:7/803]، وغير هذه من الأحاديث([1]).

وقد فهم كثير من العلماء عبر العصور أن هذه النصوص لا تتعلق فقط بالفضائل التعبدية، بل تشير أيضًا إلى الدور التاريخي والحضاري الذي سوف تؤديه بلاد الشام، وربما إلى كثرة الابتلاءات التي مرَّت وتمر بها عبر العصور، مما يجعل نصرتها ودعم أهلها واجبًا متجددًا.

وفلسطين جزء أصيل من بلاد الشام، وقضيتها ليست مجرد قضية سياسية، بل قضية عقدية وحضارية تهم كل مسلم، والعمل الخيري فيها ولها يُعدُّ من الأولويات للإسهام في تثبيت السكان بالدين ثم الأرض، وحماية الهوية الإسلامية والمقدسات، ولمواجهة محاولات التهجير والتفريغ السكاني.

وعن (اليمن) وردت أحاديث صحيحة في فضلها والعمل فيها، ومن ذلك أن الإمام مسلم قد بوَّب في صحيحه (باب تفاضل أهل الإيمان فيه ورجحان أهل اليمن فيه) وساق بعض الأحاديث، ومنها حديث الإشادة بأهل اليمن بالإيمان والحكمة والدعاء النبوي لها بالبركة. ووصفها بأنها منبع للرقّة ولين القلوب، وذلك بقوله صلى الله عليه وسلم:  (أتاكم أهلُ اليمنِ، هم أضعفُ قلوبًا، وأَرَقُّ أفئدةً، الفقهُ يمانٍ، والحكمةُ يمانيَّةٌ) [أخرجه البخاري ومسلم]. وقوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا) [أخرجه البخاري:1037].

قال بعض العلماء: «وقد استجيبت دعوة رسول الله، وحصل من البركات بسبب هذه الدعوة في الشام واليمن ما هو معروف مشهور، وهل دُوَّنت الدواوين وجُنِّدت الأجناد، وارتفعت الرايات والبنود إلا بعد إسلام أهل اليمن والشام، وصُرفت أموالهما في سبيل الله»([2])، والبنود هنا تعني أعلام الحرب والجهاد.  

وهذه النصوص عن اليمن في مجموعها تؤسس لنظرة خاصة إلى اليمن، باعتبارها أرض إيمان وحكمة، وربما أنها دار ابتلاءٍ في آن واحد؛ وهو ما يجعل العمل الخيري فيها ليس مجرد استجابة إنسانية فطرية، بل امتثالاً لمعنى شرعي عميق يتعلق بالمناصرة وأخوة الإيمان، وأن هذه الأمة أمة واحدة.

وربما يُفهم من بعض النصوص النبوية بأنهما (أي اليمن والشام) مسرح لصراع ثقافي وفكري، ثم لأحداث جسام في آخر الزمان، وهو ما يقتضي منحهما أولوية الاهتمام التنموي والخيري، من خلال الاستثمار في العلم والتعليم وبناء القيادات، ودعم المجتمعات؛ لتكون أكثر ثباتًا وقدرة على الصمود؛ ولتسهم هذه المناطق في النهوض بمحيطها والتأثير فيه.

وفي هذه الأولوية من الاهتمام كذلك لمسة وفاء لليمن والشام لما قدّمتاه للأمّة من إسهامات علمية وحضارية واقتصادية وجهادية، تركت أثرًا بارزًا في تاريخ الإسلام وحضارته.

دائرة ثانية:

تأتي أهمية (العراق) في الأولويات بعد الشام واليمن، لكونه واقعًا في الدائرة الثانية لمركز الإسلام، فهو بلد عريق في تاريخ الإسلام وحضارته، وقد مرّ خلال العقود الأخيرة بحروب طائفية بشعة إجرامية واحتلالات وتهجير وقتل وتدمير. والعمل الخيري فيه يتطلب معالجة آثار الحروب النفسية والاجتماعية، ودعم التعليم والإرشاد والتدريب، وإعادة بناء المجتمعات المسلمة التي كانت ضحية بريئة للطائفية، والعمل على تحصين الشباب من التطرف والانحراف بالتعليم بشتى صوره، وبكل مراحله بأنماط وأشكال وبرامج تنموية وغير ربحية.

وتأتي (مصر) التي تمثل ثقلاً سكانيًا وثقافيًا وعلميًا في العالم الإسلامي في المرتبة نفسها التي يحظى بها العراق، ولها أولوية بعد أولويات اليمن والشام، وأي استقرار أو اضطراب فيها ينعكس على محيطها الإقليمي العربي والإسلامي، والعمل الخيري فيها يُعد استثمارًا في الاستقرار المجتمعي والفكري للأمة المسلمة، ومن أرضها كان تحرير صلاح الدين الأيوبي لبلاد الشام من الصليبيين الغزاة المعتدين، كما أن حدودها الجغرافية مع فلسطين تمنحها أهمية إضافية وأولوية بعد الأولويات.

ثم تأتي الأولوية لدولة (السودان) وربما كانت في الدرجة نفسها من الأهمية التي يحظى بها العراق ومصر، وربما تتقدم السودان عليهما في الزمن الحاضر؛ نظرًا لاستهدافها وللحرب الدائرة فيها وضحاياها، وحاجتها إلى التنمية الاقتصادية وجميع أنواع الإغاثات، كما أن السودان يُعدُّ البوابة العربية الإسلامية للقارة الأفريقية في التعليم ودعوة غير المسلمين وبرامج العمل الخيري، وأمن السودان يمنح جوارها من الدول والأقليات المسلمة مزيدًا من القوة والمنعة والحصانة الفكرية، إضافةً إلى أن السودان سلة غذائية احتياطية للعالم الإسلامي واقتصادياته.  

المشروع اللازم:

إن المشروع اللازم الذي يجب أن تتبناه وتطلقه كل المنظمات والهيئات المعنية بشؤون دول العالم الإسلامي، بدعم من المحسنين ورجال المال والأعمال، وبمشاركة المؤسسات والجمعيات العاملة داخل أوطانها وخارجها، هو مشروع تكاملي يقوم على فقه الأولويات والاستراتيجيات، ويجمع بين التنمية الاقتصادية والوقفية، والعمل الخيري والإغاثي، بما يحقق التكامل بين مختلف مجالات العطاء والتنمية. وتتشارك في هذا المشروع جميع الجهات المعنية، كلٌّ بحسب إمكاناته واختصاصه، لتوجيه الجهود والموارد نحو المناطق الأكثر حاجة وتأثيرًا، وفق الآليات والوسائل المناسبة التي سبق الحديث عنها في ثانيًا.

إن هذه الشراكات الاقتصادية التنموية ومشاريع العطاء المأمولة من متطلبات المرحلة لدعم المركز والقلب، من خلال مشروعات تنموية ربحية وغير ربحية عطاءً وأخذًا في مجالات التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية، كما أنه ليس من الصعب على بقية دول العالم الإسلامي من محيطه وأطرافه القريبة والبعيدة أن تتشارك وتتعاون في هذا الشرف الكبير؛ بما يعزز التآخي والتعاون والتراحم بين شعوب الأمة الواحدة، ويسهم في تقوية مركزها ودعم استقرارها، ولتحل معها وفيها بركات السماء والأرض على المجتمعات والدول المانحة والممنوحة، مصداقًا لقوله الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ:39]، ولحديث الرسول صلى الله عليه وسلم (اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفاً، ويقولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُمْسِكاً تَلَفاً) [أخرجه البخاري ومسلم].

ومع ذلك، لا بد من التعاون والشراكات الاقتصادية بين دول المركز ودول الاحتياج، فالعمل الخيري الإسلامي يُعدُّ رسالة عالمية لا تعرف الحدود، لكن هذه الرسالة ينبغي أن تتحرك وفق (فقه الأولويات) دون أن تفقد شمولها، بحيث لا تتقدم المناطق البعيدة على مناطق المركز والقلب عند تزاحم الاحتياجات والأولويات. والمقصود من ذلك السعي إلى نصرة الإنسان وإغاثته حيثما كان، مع الوعي بأن قوة المركز واستقراره تنعكسان إيجابًا على سائر أنحاء العالم الإسلامي. وهذه رؤية اجتهادية تحتاج إلى مزيد من الدراسة والبحث والنقاش من الجهات الرسمية والأهلية المعنية.

د. محمد بن عبدالله السلومي
باحث في التاريخ ودراسات العمل الخيري والقطاع الثالث
[email protected]

المصدر: مجلة رواء.

_ _ _ _ _

([1]) انظر على سبيل المثال: طريق الإسلام، بعنوان: (عشرون حديثاً صحيحاً في فضائل الشام)، بتاريخ 4 أبريل 2014م، الرابط التالي: http://iswy.co/e11t23.

([2]) عبدالله العواضي، بعنوان: (فضائل أهل اليمن)، بتاريخ 18 يوليو 2018م، الرابط التالي: https://tinyurl.com/3dcbmjvt.

لا توجد تعليقات

بريدك الالكتروني لن يتم نشره


الاشتراك في

القائمة البريدية

اكتب بريدك الالكتروني واضغط اشتراك ليصلك كل جديد المركز

تصميم وتطوير SM4IT