يحتل القطاع الخيري وغير الربحي في المملكة العربية السعودية أهمية بالغة، خاصة بعد اعتماد رؤية 2030 له كقطاع تنموي ثالث ومستدام. يتنامى هذا القطاع عبر التنوع والتعدد لتعظيم أثره الاجتماعي والتنموي والاقتصادي. وهو ما يطرح تساؤل المفارقة الكبير، كيف استطاع هذا العمل أن يتحول من مبادرات فردية وجمعيات محدودة، إلى قطاع شريك استراتيجي للقطاع الحكومي تُسنَدُ إليه خدمات بمليارات الريالات!
ولا غرابة في هذا، فهذا القطاع يخضع لإطار (حوكمة) رسمي، يتمثل في إشراف (المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي)، وذلك بمجلس إشرافي على المركز برئاسة وزير الموارد البشرية وعضوية شخصيات اعتبارية وحكومية للإشراف الإداري والمالي؛ بهدف ضمان فعالية جمعيات ومؤسسات القطاع وشفافيتها ونزاهتها وتطويرها.
إن قراءة (معايير الحوكمة) المعتمدة في المركز الوطني، تعزز ثقة المجتمع بمسيرة هذا القطاع ودوره التنموي الكبير في هذا البلد المبارك، وتؤكد أن الحوكمة ليست ترفاً إدارياً؛ حيث تتمثل هذه المعايير في: الامتثال والالتزام، والسلامة المالية، والشفافية والإفصاح. ويتم تطبيق هذه المعايير الثلاثة من خلال أدوارٍ رقابية من الجمعيات العمومية، ومجالس الإدارة، وأنظمة التبرعات القوية المفسوحة من جهات الاختصاص، ومعايير المحاسبة والمراجعة القانونية، وهي رقابات متعددة لدى هذا القطاع تنافس غيرها من القطاعات الأخرى!
كما أن (منصة إحسان) الداعمة لهذا القطاع، والتي تتكون لجنتها الإشرافية مما يزيد عن عشر جهات حكومية تتعامل مع جمعيات هذا القطاع بكل ثقة وإيجابية في تنفيذ كثير من مشاريع العطاء. حيث جمعت منصات التبرع الرسمية منذ إنشائها، أكثر من 15 مليار ريال، وقد كان عام 2024م الأعلى نشاطاً بقيمة 5 مليار ريال، استحوذت (إحسان) من بين ست منصات على الحصة الأكبر من قيمة وعدد عمليات التبرعات، حسب آفاق القطاع غير الربحي 2025م الصادر من مؤسسة الملك خالد الخيرية. ويضاف إلى هذا وذاك قوة (الأنظمة البنكية) في ضبط الدخل المالي لجمعيات هذا القطاع، و(أنظمة جمع التبرعات) التي لا تتم إلا من خلال حملات رسمية بمنصات متخصصة، وبآليات محددة، ورقابة مالية منافسة للقطاع الحكومي والتجاري. كما أن (هيئة الأوقاف) معنية بالرقابة والمحاسبة لأوقاف الجمعيات، وهي نُظم وإجراءات متنوعة تعكس مدى الثقة المالية والإدارية الرسمية.
ويُعدُّ (الإسناد الحكومي) للقطاع الخيري من أكبر مؤشرات الثقة التي يحظى بها هذا القطاع، بل إنه يُرسّخ هذه الثقة عبر شراكات وتعاقدات فاعلة مع العديد من الوزارات المعنية بالتعليم والصحة والخدمات الحكومية الأخرى. تهدف هذه الشراكات إلى تحقيق المنظومة التنموية في المجالات التعليمية والصحية والرعاية الاجتماعية والاقتصادية، وتمويل المشاريع التنموية. يتضمن ذلك إسنادًا متبادلاً مع مؤسسات ووزارات القطاع الحكومي لتقديم العديد من الخدمات وإدارتها، حيث تتنافس الوزارات فيما بينها بناءً على عدد الجمعيات المتخصصة التي تتعامل معها، مما يوفر خدمات متعددة ومتنوعة.
وقد أشاد مجلس الوزراء، بالتوجه الإداري الخاص بتعزيز التعاون والشراكة بين القطاعين الحكومي والخيري وغير الربحي، وذلك من خلال إسناد بعض الخدمات الحكومية للقطاع غير الربحي؛ نظراً لدوره المحوري في تحقيق مستهدفات رؤية 2030. وقد بلغت قيمة هذا الإسناد الحكومي أكثر من مليار ريال في ستة أشهر خلال عام 2025م، مما يُعد دلالة كبيرة على الثقة الكبيرة بهذا القطاع.
ويُعرَّف الإسناد الحكومي بأنه: عملية نقل تقديم الخدمات الحكومية الموجهة للمجتمع من القطاع الحكومي إلى الجمعيات الخيرية وغير الربحية، وتتم هذه العملية عبر علاقة تعاقدية وبمقابل مالي، مع إشراف مالي وإداري كامل على عمل الجمعيات لضمان حوكمتها وشفافيتها.
ويتمحور دور هذا الإسناد والدعم الحكومي في ثلاثة محاور رئيسية هي: التمكين، والتعاقد، والتنظيم. ويتم كل ذلك تحت إشراف حكومي دقيق على الجمعيات المرتبطة بالإسناد، أوصلتها مؤسسة الملك خالد إلى 26 جهة حكومية حسب آفاق القطاع غير الربحي 2025م، وهو الإسناد المتوافق مع تخصصات الجمعيات والوزارات المعنية، بهدف تحقيق كفاءة الإنفاق، وضمان الاستدامة، وتعزيز التأثير التنموي، ورفع جودة الخدمات، وتوظيف أعمال المتطوعين والكفاءات.
وما سبق من نظم رقابية ومحاسبية، وشراكاتٍ رسمية، تعكس مدى الثقة الحكومية والأهلية، حينما تجاوز هذا القطاع الاجتهادات الفردية، والتزم بمعايير الحوكمة التي تضمن عدم الفساد المالي كغسيل الأموال، أو التصرف الخاطئ بأموال الجمعيات، مما رفع معدل مستوى ثقة المجتمع السعودي في هذا القطاع إلى 86% حسب آفاق القطاع غير الربحي السابق ذكره.
ثقة وتجاوز:
إن إشراف المركز الوطني، والحوكمة، والإسناد الحكومي، ومنصة إحسان، والمعايير الكثيرة المذكورة سابقاً، كما أنها تُعزِّز تحقيق أهداف هذا القطاع، من خلال دوره في التنمية المستدامة مثل التعليم الجيد، والصحة الجيدة، وخفض مستويات الفقر، فإنها في الوقت ذاته تدعم جميع أشكال الثقة المجتمعية في جمعيات ومؤسسات هذا القطاع، وهي كذلك مما يزيد من كفاءة العاملين وأعداد المتطوعين، ويُضاعف من عدد الجمعيات المتخصصة ببرامجها وأعمالها، وبمدخلاتها ومخرجاتها المالية. ويتجلى ذلك بوضوح عندما يرى الجميع، سواءً من القطاع الحكومي، أو الأهلي التجاري، أو أفراد المجتمع، أن هذا القطاع يحظى بمعايير كبيرة من جودة عالية وأمانة إدارية ونزاهة مالية، إضافةً إلى حجم الخدمات التي يُقدمها هذا القطاع.
لقد أسكتت الأنظمة والقوانين والإجراءات المعمول بها في مؤسسات هذا القطاع والجهات الإشرافية الحكومية، الكثير من مزاعم ودعاوى الإرهاب، والحملات الإعلامية العالمية بقوتها السياسية على بلاد الحرمين، مما أدى إلى تبرئة مؤسسات وجمعيات وشخصيات اعتبارية ورسمية بشكل متتالٍ، بسبب تطبيق هذه الأنظمة حتى قبل تطبيق الحوكمة ومعاييرها. فكيف يبقى مجال للشكوك والإثارات غير المسؤولة حول هذا القطاع وبرامجه بعد هذه التطبيقات، وتلك المعايير الصارمة والانضباط الإداري والمالي؟! أم أن هناك من يقع في شِراك المغرضين على هذا القطاع بأدواره الصاعدة؟!
إن القطاع الخيري بمؤسساته وجمعياته، هو جزء أساسي من نسيج المجتمع ومرتكزاته. لذا، يتطلب هذا القطاع كل ما من شأنه زرع (الثقة المجتمعية) وتعزيز استدامتها؛ لأنها الأهم والأعظم، إذ تخدم كلاً من المعطي والآخذ. فالمجتمع هو الداعم الأساس والمُسهم الأكبر، وبدونه لا يمكن أن يصبح هذا القطاع قطاعاً تنموياً ثالثاً أو غير ربحي. وطالما أن الرؤى والتطلعات تهدف إلى أن يكون هذا العمل وهذه الجمعيات قطاعاً ثالثاً تنموياً شريكاً للقطاعات الأخرى، فإن من أبرز حقوقه، حمايته من التشويه والتشكيك غير المسؤول، بالإضافة إلى حاجته إلى كافة أشكال الحماية الاعتبارية والنظامية، وهذا لا يعني براءة هذا القطاع من الأخطاء والعيوب كغيره من القطاعات.
حقوق واستحقاقات:
يأتي هذا المقال مع إطلالة شهر رمضان المبارك، الشهر الذي يزداد فيه العطاء والنفع المجتمعي. ويصحب هذه المواسم الخيرية -أحياناً- بعض التشكيك أو التشويه لمسيرة هذا القطاع ونهضته-مع الأسف-، وغالباً ما يكون ذلك دون دليل أو برهان، مما يهز الثقة المجتمعية. وتزداد خطورة هذا الأمر حينما تكون هذه المزاعم والادعاءات، تتسم بالجرأة غير العقلانية وغير المسؤولة، حيث إنها لا تطال القطاع وحده، بل تنسحب على الجهات المشرفة والمساندة كذلك. ويشمل ذلك (المركز الوطني) بصفته الجهة المشرفة، والقطاعات الحكومية المعنية بالإسناد، والتي تتمتع بثقة كاملة بمعايير هذا القطاع. وتتفاقم المشكلة لدى المجتمع دون سواه، نتيجة تكرار هذا التشكيك والتشويه، الذي ينتهك حقوق هذا القطاع والقطاع الحكومي، وحقوق المجتمع، مما يستدعي حماية هذا الصرح الكبير الذي يستحق الكثير.
لقد تحدَّث الكثيرون عن أوهام هذا التشويه والتشكيك -الذي يختلف عن النقد البنَّاء الإصلاحي الهادف- وهو الموضوع المقلق لكل غيور على هذا القطاع ودوره المنشود. ومما قيل في هذا الشأن: «جميع عمليات التبرع والإنفاق في الجمعيات الأهلية خاضعة للرقابة والتنظيم، وأن الحوكمة لم تعد خياراً، بل شرطاً للاستمرار… ووجود حالات احتياج لا يعني فشل الجمعيات، بل يؤكد حاجتنا إلى تعزيز المشاركة والثقة، لا إلى هدمها» كما عبَّر عن هذا الدكتور سلمان المطيري.
وختاماً، أتوجه برسالةٍ إلى (المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي) وإدارته القانونية، بضرورة تحمّل مسؤولية الدفاع والحماية والمرافعة القانونية عند الحاجة، بل وإصدار النظم الجزائية والعقابية ضد كل من يتهم جمعيات هذا القطاع بغير دليل، وهو استحقاق شرعي ونظامي. كما أدعو إلى إنشاء جمعيات متخصصة لحماية هذا القطاع والدفاع عنه والمرافعة في قضاياه؛ نظراً لما يُقدِّمه ويُؤمل منه مستقبلاً. وقد سبق لي أن تحدثت عن هذه الأحقية وأهميتها، في مداخلة مسجلة أمام معالي وزير تنمية الموارد البشرية خلال منتدى الرياض الاقتصادي في دورته التاسعة بمدينة الرياض، والذي عُقد في جمادى الأولى 1441ه.
تجدر الإشارة إلى أن هذا القطاع، بصفته قطاعاً إدارياً ثالثاً، لا يزال في بداية الطريق وفي مراحله الأولى. فمن المستفيد من التشويه وإثارة الجدل حول قطاع يخضع لكل معايير الحوكمة، ويُنتظر منه أن يكون قطاعاً غير ربحي، يضم شركات وقفية عملاقة -مأمولة- تقود دفة التنمية والاستدامة في مجالات التعليم والصحة والعمل الاجتماعي؟!
د. محمد بن عبدالله السلومي
باحث في التاريخ ودراسات العمل الخيري والقطاع الثالث
[email protected]


لا توجد تعليقات